قال الله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) الأعراف / 175-177 .
المشهور في سبب نزول هذه الآيات أنَّ رجلاً من المتقدمين في زمن بني إسرائيل آتاه الله – سبحانه – عِلم الكتاب ، فصار عالماً كبيراً ، وحَبْرَاً نِحْريراً ، لكنه انسلخ من هذا العلم ، ونبذ كتاب الله وراء ظهره ، فتسلّط عليه الشيطان ، ودفعه إلى المعاصي دفعاً ، فأصبح من الغاوين ، بعد أنْ كان من الراشدين المُرشدين ، ففعل ما يقتضي الخذلان والهوان ، فخذله الله – تعالى – وأوكله إلى نفسه ، فاتَّبَع هواه ، وترك طاعة مولاه ، وباع دينه بدنياه ، فمثله في شدة حرصه على الدنيا ، وانصراف قلبه إليها كمثل الكلب لا يزال لاهثاً في كل حال إنْ حملتَ عليه ، أو تركته .
وهذا حال كل مَن آتاه الله العلم والإيمان ، فتَنَكَّبَ عن الصراط ، ولم ينتفع من ذلك بشيء ، فَسَاء وقَبُحَ مثلُ مَن كذَّبَ بآيات الله وظلم نفسه بأنواع المعاصي .
وفي الآيات السابقة ترغيب في العمل بالعلم ، وترهيب من تركه واتِّّباع الشيطان والهوى ، نعوذ بالله من الهوان والخذلان .
قال الله تعالى : (( :أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) )) ، يس : 77-79 .
المشهور في سبب نزول هذه الآيات أنَّ الإنسان الذي عُني هنا هو : أُبيّ بن خَلف ؛ إذ جاء إلى رسول الله – عليه الصلاة والسلام – وفي يده عظم رميم ، وهو يفُتّه ويَذروه في الهواء ؛ ويقول : يا محمد ! أتزعمُ أنّ الله يبعث هذا ؟ فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : " نعم ! يبعث الله هذا ، ثم يُميتك ، ثم يُحييك ، ثم يُدخلك نار جهنم " .
وقيل : نزلت في العاص بن وائل ؛ حيث أخذ عظماً من البطحاء فَفَتّه بيده ؛ ثم قال لرسول الله – صلى الله عليه وسلم - : أَيُحيي الله هذا بعد ما أرى ؟ فقال رسول الله – عليه الصلاة والسلام - : " نعم ! يُميتك الله ، ثم يُحييك ، ثم يُدخلك جهنم " .
وسواء نزلت الآيات في أُبيّ بن خلف ، أو في العاص بن وائل ، أو فيهما ؛ فهي عامّة في كلّ مَن أنكر البعث والنُّشور على مرّ الأزمان والعصور ، وسيُقنون بمصيرهم المحتوم حينما يُوضعون في القبور .
قال عَزَّ مِن قائل في كلامه الطائل : ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) )) ، الحديد – 16 ، المشهور في سبب نزول هذه الآيات ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود – رضي الله عنهما – قال : " ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين " . وقال ابن عباس – رضي الله عنهما - : " إنَّ الله استبطأ المؤمنين ، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن " . وقيل : نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة ، ورُوي أنَّ المِزاح والضحك كثُر في أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – لمّا ترفهوا بالمدينة ؛ فنزلت الآية .
ومعناها : ألم يَحِنْ للذين صدَّقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم عند الذكر والموعظة وسماع القرآن ، فتفهمه وتنقاد له ، وتسمع له وتُطيعه ، ولا يسلكوا سبيل اليهود والنصارى ؛ فقد أُعطوا التوراة والإنجيل فطالت الأزمان بهم فقست قلوبهم ، فاخترعوا كتاباً من عند أنفسهم ، فاستحقوا غضب الله ونقمته .
جعلنا الله – بفضله وبرحمته – ممّن يقولون بلسان حالهم قبل مقالهم : " بلى يا ربُّ قد آنَ " وهدانا إلى صراط المؤمنين الموحّدين ، غير المغضوب عليهم ، ولا الضالين ، اللهمّ آمين .
قال الله تعالى : ((وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)) ، البقرة : 96 .
المشهورُ في سببِ نزولِ هذه الآيةِ الكريمةِ أنها نزلتْ في اليهود ؛ فهم أشدّ الناس حرصاً على الحياة في الدنيا ، وأشدّهم كراهة للموت ، والخطاب في الآية للنبي محمد – صلى الله عليه وسلّم - : وَلَتَجِدَنَّ - يَا مُحَمَّد - الْيَهُود مِنْ بَنِي إسْرَائِيل أَحْرَص النَّاس عَلَى حَيَاة وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ، وَإِنَّمَا وَصَفَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْيَهُود بِأَنَّهُمْ أَحْرَص النَّاس عَلَى الْحَيَاة لِعِلْمِهِمْ بِمَا قَدْ أَعَدَّ لَهُمْ فِي الآخِرَة عَلَى كُفْرهمْ بِمَا لا يُقِرّ بِهِ أَهْل الشِّرْك * فَهُمْ لِلْمَوْتِ أَكْرَه مِنْ أَهْل الشِّرْك الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ ; لأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ * وَيَعْلَمُونَ مَا لَهُمْ هُنَالِكَ مِنْ الْعَذَاب * وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لا يُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ * وَلا الْعِقَاب . ووقائع التاريخ في كل عصر ومِصْرٍ شاهدة على ذلك ، وأنَّ (يهود) من أجبن البشر ، وأحرصهم على حياة ، لكن لمّا ابتعد المسلمون عن دينهم سلَّط الله عليهم أحقر أُمم الأرض – وهم اليهود – وها هم يقتّلون إخواننا في فلسطين ، ولبنان ، والعراق ، وغيرها ، ويعيثون في الأرض فساداً ، والله – سبحانه - لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أَعْمَالهمْ * بَلْ هُوَ بِجَمِيعِهَا مُحِيط وَلَهَا حَافِظ ذَاكِر حَتَّى يُذِيقهُمْ بِهَا الْعِقَاب جَزَاءَهَا .
اللهمّ عَجّل بنصر إخواننا في فلسطين ، ولبنان ، والعراق ، وأَرِنَا في (يهود) يوماً أسودَ تشفي به قلوب قوم مؤمنين .
قال الله تعالى : ((أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) ، آل عمران : 165 .
المشهورُ في سببِ نزولِ هذه الآيةِ الكريمةِ أنها نزلتْ في المسلمين الذين شهدوا غزوة أُحُد ، وذلك حين ابتُلوا بقتل سبعين مِن خِيارهم يوم أُحُد – رضي الله عنهم – بخلاف الجرحى ، وأُصيب النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – في هذه العركة ؛ وما ذاك إلا لأنهم خالفوا أمرَ الله – تعالى – وعصوا نبيّه – عليه الصلاة والسلام – فكانت المصيبة يوم أُحُد ، ولمّا تعجبوا وقالوا : " أنَّى هذا " وَمِنْ أَيْنَ أَصَابَنَا هَذَا الَّذِي أَصَابَنَا * وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ * وَهُمْ مُشْرِكُونَ * وَفِينَا نَبِيّ اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - * يَأْتِيه الْوَحْي مِنْ السَّمَاء * وَعَدُوّنَا أَهْل كُفْر بِاَللَّهِ وَشِرْك ؟! جاءهم الجواب من الرّب – سبحانه - : ((قل – لهم يا محمد – هو من عند أنفسكم)) ، بسبب ذنوبكم ، ومخالفتكم أمر نبيكم ، وترككم طاعته في هذا اليوم ، لا من عند غيركم ، ولا من قِبَل أحد سواكم .
فيا رحماك يا رب ! إذا كان هذا البلاء نزل بالمسلمين يوم أُحُد بسبب مخالفتهم للنبيّ ، والنبيّ – عليه الصلاة والسلام – بين أظهرهم ، وهم في خير القرون ، ويقاتلون في سبيل الله – تعالى - ، فكيف بنا اليوم نرجو نصراً على عدونا ، وقد عصينا أمر ربنا ، وابتعدنا عن ديننا ، وقاتل بعضنا تحت رايات جاهلية ! ثم نقول بعد ذلك – كما قال الأولون - : " أنَّى هذا " ؟! فكلُ ذلك – وربّ الكعبة – بذنوبنا ، ومعاصينا ، وفرقتنا ، وتشرذمنا إلى شيع وأحزاب ، كلُّ حزب بما لديهم فرحون ، وكلٌّ يدّعي وصلاً بالدين ، وبهدي سيد المرسلين !
اللهمَّ ردَّ المسلمين إلى دينك ردَّاً جميلاً ، واجمع كلمتهم تحت راية التوحيد ، وانصرهم على عدوّك وعدوّهم ، اللهمَّ آمين .