عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:
كان رجلٌ يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا جئت مُعْسِراً، فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا،
قال: فلقى الله فتجاوز عنه.(1)
وفي لفظ آخر:
عن أبي مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الملائكة لتلقت رُوح رجل كان قبلكم، فقالوا له: هل عملت خيراً قط؟
قال لا: قالوا: تذكر، قال: لا، إلا أني كنت أداين الناس، فكنتُ آمر فتياني أن ينظروا الموسر، ويتجاوزوا عن المعسر.
قال الله سبحانه وتعالى: تجاوزوا عنه.(2)
يوسف بن يعقوب عليهما السلام، قد ذكر الله قصته في سورة كاملة فيها فوائد وعبر تزيد على ألف فائدة،
هذا النبي الكريم امتحن امتحاناً عظيماً، ولكنه صبر وهذا شأن الصالحين، فانقلبت المحنة إلى منحة ربانية إليك هي:
يوسف أمّهُ اسمها راحيل، وله إحدى عشر أخاً، وكان أبوه يحبه حباً جماً، فبدأ الحسد يدبُ في صدور إخوته، حيث إنهم عصبة، جماعة، ومع ذلك فإن يوسف وأخيه بنيامين لهما محبة في صدور أبيهما، فماذا كان منهم، طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف، وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم، وقد اضمروا له ما الله به عليم، فأخذوه، ثم ألقوه في البئر (الجبّ) ثم مرت به قافلة، فانزلوا الدلو فتعلق به، ثم باعوه على عزيز مصر، فاشتراه بدراهم معدودة(1)، ثم ماذا حدث، يقول الله تعالى: (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب، وقالت هيت لك، قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون. ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين..) الآيات.
يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه مالا يليق بحاله، ومقامه وهي في غاية الحسن والجمال والمنصب والشباب، وغلقت الأبواب عليها وعليه وتهيأت له وتصنعت ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها، وهي مع ذا كله امرأة الوزير، ويوسف عليه السلام، شاب بديع الجمال والبهاء، والشباب مركب الشهوة، وكان عزباً ليس عنده ما يعوّضه، وكان غريباً من أهله ووطنه والمقيم بين أهله وأصحابه يستحيي منهم أن يعلموا به فيسقط من عيونهم، فإذا تغربّ زال هذا المانع، وكانت هي المطالبة فيزول بذلك كُلفة تعرض الرجل وطلبه وخوفه من عدم الإجابة، وكانت في محل سلطانها وبيتها بحيث تعرف وقت الإمكان، ومكانه الذي لا تناوله العيون، ومع هذا كله عف عن الحرام، وعصمه ربه عن الفحشاء، فهو من سلالة الأنبياء، وحماه مولاه عن كيد ومكر النساء، وعوّضه أن مكّنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، وآتاه الملك، وأتته المرأة صاغرة سائلة راغبة، في الوصل الحلال فتزوجها، فلما دخل بها قال: هذا خيرٌ مما كنت تريدين، فتأمل أيها المسلم كيف أنه لما ترك الحرام لله عوضه الله خيراً منه. ولذلك فهو سيد السادة النجباء السبعة الأتقياء، المذكورين في الصحيحين عن خاتم الأنبياء في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الأرض والسماء (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله).
عن صهيب الرومي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:
(كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر، قال للملك: إني قد كبرت سني وحضر أجلي فادفع إلى غلاماً، لأعمله السحر، فدفع إليه غلاماً فكان يعلمه السحر، وكان بين الملك وبين الساحر راهب، فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر ضربه، وقال: ما حبسك، وإذا أتى أهله ضربوه، وقالوا ما حبسك، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسني الساحر قال: فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة، قد حبست الناس، فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال: اليوم أعلم أمر الساحر أحب إلى الله أم أمر الراهب: قال فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس ورماها فقتلها ومضى، فأخبر الراهب بذلك، فقال: أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل عليّ، فكان الغلام يبريء الأكمه والأبرص وسائر الأدواء، ويشفيهم الله على يديه، وكان جليس للملك فعمي، فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال: اشفني ولك ما ههنا أجمع، فقال: ما أنا أشفي أحد إنما يشفي الله عز وجل، فإن آمنت به ودعوت الله شفاك فآمن فدعا الله فشفاه، ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس فقال له الملك: يا فلان من رد عليك بصرك، فقال ربي، قال أنا، قال لا ربي وربك الله، قال ولك رب غيري، قال نعم، ربي وربك الله، فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فأتى به، فقال: أي بني بلغ من سحرك أن تبريء الأكمه والأبرص، وهذه الأدواء، قال: ما أشفي أنا أحداً إنما يشفي الله عز وجل قال أنا، قال: لا، قال أو لك رب غيري، قال: ربي وربك الله قال: فأخذ أيضاً بالعذاب، ولم يزل به، حتى دل على الراهب، فأتى الراهب، فقال: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه، حتى وقع شقاه، وقال للأعمى: أرجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه، حتى وقع شقاه، وقال للغلام: ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدوه، فذهبوا به، فلما علوا الجبل قال: اللهم أكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل، فدهدوا أجمعون، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك فقال: كفانيهم الله، فبعث به مع نفر في قرقرة فقال: إذا لججتم البحر، فإن رجع عن دينه، وإلا فاغرقوه في البحر فلججوا به فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فغرقوا أجمعون وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك فقال: كفانيهم الله، ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي، قال وما هو، قال: تجمع الناس في صعيد واحد، ثم تصلبني على جذع، وتأخذ سهماً من كنانتي، ثم قل: بسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام فقيل للملك أرأيت ما كنت تحذر فقد والله نزل بك، قد آمن الناس كلهم فأمر بأفواه السكك فحفر فيها الأخاديد، وأضرمت فيها النيرات، وقال: من رجع عن دينه فدعوه، وإلا فأقحموه فيها، وقال فكانوا يتعادون فيها، ويتواقعون، فجاءت امرأة بابن لها ترضعه، فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي: اصبري يا أماه فإنك على الحق)(1) .