بل أين المروءة وحقوق الإنسان ؟؟ ... بل اين أحفادُ الكرام
مازالت رائحة الدم التي تفوح من جدران ملجأ العامرية فوّاحة بالوجع ..
ولها طعم مغسول بالعبرات .. والملح
ومازالت ذكرى قاطنيه كل عام تفتح لنا بوابة الجحيم على مصراعيها لتسعر في وجوهنا
هانحن اليوم وكل يوم نمطرهم حباً ودموعاً .. ويمطروننا بعداً
مازلنا نتذكرهم .. نتذكر ما تبقى منهم أو بنحو أدق
ما تبقى منا .. من أعمارنا .. وأحلامنا من دونهم
المشهد كالتالي
جرافة تلملم أحشاء طفل
ومنقذون لم يجدوا شيئاً ينقذوه سوى أشلاء متفحمة
أصابع لأطفال وأطقم أسنان لعجائز وعلب حليب أطفال
ودمى أقصد كانت تسمى دمى قبل الحريق
وهذه عكاز لشيخ جليل هدّه الزمان فكانت تعين صلبه
في مثل هذه الأيام ستكون قد مرت عشرون عاماً على ارتكاب أبشع مجزرة بشرية من قبل الطيران الأمريكي البربري بقصفه عن سابق تعمد وإصرار ملجأ العامرية رقم (25) في حي العامرية غرب مدينة بغداد
ملجأ العامرية تمّ إنشاءهُ منتصف الثمانينات مع عشرات الملاجئ الأخرى في الأحياء السكنية في أنحاء العراق ليحتمي فيها المدنيون أثناء الغارات الجوية الإيرانية أو الأمريكية أو الصهيونية على البلاد
أنشأ على مساحة 550 متر مربع ويتكون من ثلاثة أدوار كل منها بمساحة 500 متر مربع وبجدران سميكة جدا ومصنوعة من الكونكريت ويتخلله عوارض حديدية وسمك كل سقف من السقوف التي تفصل الطوابق الثلاثة بعرض 1.5 متر من الكونكريت المسلح بالعوارض الحديدية وسمك كل عارضة حديدية من 3 إلى 4 سنتمتر
وهذه الجدران سواء السقوف أو الجدران الفاصلة بين القاعات بالداخل أو الخارج مسقفة بجدران مزدوجة يستطيع الجدار الخارجي أن يمتصَ معظم طاقة الضربة المباشرة وكذلك كل طاقة الضربة غير المباشرة حيث يمكن للجدار الثاني امتصاص ما يتبقى من طاقة الضربة المحتملة الأولى وحتى الثانية وبذلك لا يتأثر المدنيين المحتمين في تلك الملاجئ ورُسِمَ على أسطح تلك الأبنية علامات تشير أنها ملاجئ مدنية بحجم كبير جداً بحيث يمكن رؤيتها بالعين المجردة من مسافات عالية من الجو لكي تتعرف عليهِ الطائرات المُعادية بسهولة فلا تقصفه تبعاً للأعراف والقوانين الدولية المتبعة وكان الملجأ يستوعب حوالي 1500 شخصاً كما وُفرت فيه جميع الخدمات الصحية وأيضا قسم خاص للترفيه عن الأطفال
وقد نفذت بناء هذهِ الملاجئ شركة سويدية متخصصة في بناء الملاجئ وقد قامت الشركات السويدية باستخدام نوع من التصاميم الذي تتعرف عليهِ الطائرات بسهولة كما استخدمت أنواع من الأصباغ التي يمكن رؤيتها بمختلف أجهزة التصوير العسكرية
عام 1990 عندما خططت الإدارة الأمريكية لقصف بغداد قامت بالضغط على الشركة السويدية وحصلت على التصاميم التفصيلية لملاجئ بغداد وملجأ العامرية أحدها
بناءً على تلك التصاميم وضعت الإدارة الأمريكية خطة لاختراق الجدران المحصنة للملاجئ ولأنها مسقفة بجدران مزدوجة يستطيع الجدار الخارجي أن يمتصَ معظم طاقة الضربة المباشرة وكل طاقة الضربة غير المباشرة وأنّ الجدار الثاني يمتص مايتبقى من طاقة الضربة المحتملة وبذا لا يتأثر المدنيون في تلك الملاجئ من آثار الحرب
وبسبب العدد الكبير للمدنيين في هذهِ الأحياء فقد قامت قوات الدفاع المدني العراقية في الأحياء التي تخدمها تلك الملاجئ بالطلب إلى المواطنين بتفضيل الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى بدخول تلك الملاجئ
وكان ملجأ العامرية يزخر بالأطفال لأن منطقة العامرية منطقة سكنية حديثة ومعظم عائلاتها من ذوي الدخل المحدود وجميعهم من المعلمين وأساتذة الجامعات ومعظم العائلات الشابة كان فيها أطفال أكثر من البالغين
وسكان الحي وغيرهم من مناطق بغداد يأتون إليه لأنه يتوفر فيه الماء والكهرباء وكذلك التدفئة والتبريد المركزي وكذلك لشعورهم بالأمان هناك لأنهم اعتقدوا بأن الملجأ سيكون في منأى عن أهدافهم النازية الإجرامية الخبيثة وبعد أن قصفت الطائرات الأمريكية محطات الكهرباء ومحطات ضخ المياه وبعد إصابة الملجأ وصلت درجة الحرارة فيه إلى الألف من الدرجات المئوية وانصهرت فيه الأجساد اللينة بل إن كثيراً من الجثث في الطابق السفلي تفحمت واختلطت بنثار الأسمنت والحديد المنصهر فتحول هذا الطابق لمدفن جماعي عندما كان يعج بالمدنيين من الشيوخ والنساء والأطفال
وكانت الخطة الأمريكية التي نفذتها على ملجأ العامرية تتضمن إطلاق صاروخين بين الأول والثاني بضع ثوانٍ وعلى نفس النقطة وقد أُطلقَ الصاروخين بالليزر فقام الأول وحسب ما صُممَ لأجلهِ باختراق الجدار المحصن الأول تبعهُ الصاروخ الثاني ليدخلَ من الفتحة التي أحدثها الصاروخ الأول ليخترق الجدار المحصن الثاني ولينفجر وسط المئات من الأطفال والنساء والشيوخ ليحترق الجميع خلال ثوانٍ ولتتناثر ألأشلاء وهي تحترق على الجدران الداخلية للملجأ
شهد فجر الثالث عشر من شباط 1991 قيام مجرم الحرب بوش الأب بحرق ملجأ العامرية المدني في جريمة من أبشع جرائم العصر كان المستهدفون رضعا ونساء وشيوخاً طاعنين في السن صغيرهم رضيع لم يتجاوز عمره السبعة أيام وأكبرهم سناً شيخ في الثالثة والتسعين لم يحرك ضميرهم ضعف طفل ولا عجز شيخ بل قاموا بجريمتهم النكراء بكل صفاقة وحقارة لم يرق إلى مستواها غيرهم
الساعة الرابعة والنصف مع حلول أذان فجر يوم 13 شباط 1991 وبأوامر من الحكومة والقيادة العسكرية الأمريكية أعطى المجرم النازي الجنرال غلوسوم أوامره لقصف الملجأ بقوله "سوف نرسل أليهم هذه الهدية لغرض تعريفهم عن مدى قوتنا"
حيث قصفت طائرتان نوع "أف 117" مزودتان بقنابل صنعت خصيصاً لمثل هذه العمليات من نوع "جي بي يو 27" والقنبلة كانت من عيار ألفي رطل نصف خارقة مقدمتها كتلة معدنية مخصصة لخرق الأهداف الخراسانية وموجهة بأشعة الليزر مع تشكيل من طائرات الحماية والحرب الإلكترونية لتصل إلى الملجأ وتطلق عليه صاروخين من خلال فتحة التهوية الخاصة بالملجأ حيث دخل الصاروخان من فتحة التهوية وكان الصاروخ الأول يهدف لإحداث خرق يولد عصفاً يؤدي إلى إغلاق الأبواب فيما يمر الصاروخ الثاني من خلال الخرق ليحقق النتيجة المطلوبة وكان الانفجار والحريق أغلقت الأبواب فلا يدخل منجد ولا يخرج طالب نجاة لأن جدران ملجأ العامرية التي صُممت لتعزل دوي الانفجارات وصوت الدمار عن سمع الأطفال وبصرهم عزلت هذه المرة صوت استغاثاتهم عن سمع العالم واستيقظ الكثيرون بهدوء واستمرت عجلة الموت الأمريكية بحق الشعب العراقي وأخذت كل ما وقف بطريقها من بشر وطير وشجر وحيوان وبنية تحتية ومدارس ومستشفيات ومعامل وطرق وجسور ومحطات توليد الكهرباء وحتى بيوت سكنية للمواطنين
خرجَ أهالي العامرية من بيوتهم على صوت انفجار مروع اختلط بصرخاتٍ ودخان لم يفهم سببهُ وجرى الجميع لكل الاتجاهات ولم يكن في بالِ أحد أن الهدف كان ملجأ أطفالهم ونسائهم وجداتهم وأجدادهم ركضَ الشباب لكل الاتجاهات إلا الملجأ لكنهم انتبهوا لصراخِ إحدى الأمهات تطلب النجدة وتراكضوا باتجاهها ليجدوها جامدةً في مكانها قُبالة الملجأ وهي تصرخُ "لقد تركتُ أطفالي في الملجأ قبل دقائق لأجلبَ الحليب لهم من داري ولا أعلمُ ما حصلَ لهم الآن" تركها الجمع وهي شبه مجنونة لأن لكلٍ منهم أعزة في الداخل وكانت أبواب الملجأ مغلقة بإحكام لأن الضربة التي اخترقت سقف الملجأ سببت إغلاقاً آلياً للأبواب
وكانت الصرخات المكتومة لازالت تنبعث من الداخل ودخان الأجساد المحترقة قد أزاح الهواء فكان الشباب والرجال يصرخون ويضربون جدران الملجأ برؤوسهم وأيديهم ويكبروا باسم الله ويحاولوا التسلق على الجدران الملساء ولكن ظلّ الدخان والنار تتصاعد من جوف الملجأ إلى عنان السماء تحملُ معها رماد أجسام الشهداء لتحلقَ فوق رؤوس أهليهم
وخفتت الصرخات والأنين ولكن بقيَ صوت النار وفحيحها يصم الآذان وظلَ أهلهم يكبرون باسم الله
تم إخراج حوالي سبعمائة جثة محروقة أو بقايا جثث كما ظهرت أثار بقايا جثث محروقة ملتصقة بجدران الملجأ و لم يعثر على جثث الكثير من الذين دخلوا إلى الملجأ و فقدوا تلك الليلة ويعتقد أن الحرارة العالية جدا وشدة العصف أحالت جثثهم إلى غبار
لم يُحدد عدد الضحايا بشكل دقيق لكن الروايات اتفقت على أنها تفوق الأربعمائة شهيد بينما يؤكد الباحث وشاهد العيان في نفس الوقت عبد الوهاب الدليمي أنه كان في أحد الأيام الخفر في الملجأ كان لدينا سجل ندون فيه عدد الداخلين إلى الملجأ لذلك اليوم وقد دونت أكثر من 1200 شخص وهو ما يمثل 411 عائلة وهو الرقم الذي أخذ على أساس عدد الضحايا والصحيح هو أن هذا العدد يمثل عدد العوائل في داخل الملجأ
والدة الطفلة غيداء كان زوجها وأبناءها التسعة ضحايا محرقة الحرية الأمريكية في ملجأ العامرية
إن جريمة محرقة ملجأ العامرية التي قامت بها أمريكا ليست الأولى ولم تكن الأخيرة وليتذكر المتغنون بديمقراطية الغرب جريمة أمريكا وبريطانيا في تدمير مدينة "درسدن" الألمانية بتاريخ 13 فبراير 1945 فبينما استسلمت معظم القوات الألمانية المقاتلة في القارة الأوروبية والحرب تلفظ أخر أنفاسها شن الطيران الحربي الأمريكي والطيران الملكي البريطاني غارة جوية مستخدمين ما يربو على 1*300 طائرة مقاتلة وقاذفة على مدار يومين لإحراق المدينة وخلال يومين أحالت الطائرات المعادية مدينة "درسدن" قطعة من الجحيم حيث استخدمت القيادتين الأمريكية والبريطانية قنابل النابالم والقنابل الحارقة "Incendiaries" المحرمة الاستخدام بالإضافة لما يربو على 3*300 طن من المتفجرات نتج عنها احتراق مركز المدينة بشكل تام واحتراق الآلاف من الأبرياء نتيجة الحرارة التي وصلت إلى 1800 درجة فهرنهايت كما أدى لامتصاص الأوكسجين الموجود في الهواء وهو ما أدى بدوره إلى اختناق آلاف أخرى من البشر ولم يكتفوا بذلك بل فعلوا ما نراه يحدث كل يوم في فلسطين والعراق منعوا أجهزة الإنقاذ من مساعدة الضحايا فألقوا القنابل على عربات الإطفاء والإسعاف وكان الختام متابعة المدنيين الفارين بالطائرات وقتلهم بالرشاشات الثقيلة وكل ذلك لنشر الخوف والذعر بين الناس إظهاراً لجبروتهم وقوتهم لا غير !! وما فعلوه في فيتنام وكوريا ومدينتي ناجازاكي وهيروشيما اليابانيتين وتدميرهما بعد إعلان استسلام اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية يؤكد ما ذكرناه سابقا
ولعل اختيار اسم الصدمة والرعب لعملية غزو العراق في عام 2003 م يدل على مدى انحطاطهم العقلي والخلقي فهم يرمزون لقتل الجميع مدنيين وعسكريين وكما قال المخطط الاستراتيجي للبحرية الأمريكية ومفكر الدفاع للبيت الأبيض والبنتاغون "هارلان أولمان " لقناة الـ CBS (سندمر كل شيء ونجعل الحياة غير ممكنة في بغداد) وهذا ما أكده مراسل بي بي سي جيرمي بوينغ أن كل ما شاهده هو جثث محروقة لنساء وأطفال ولم يشاهد عسكريا واحدا يخرج من الملجأ المحروق بعد ادعاء المصادر الأمريكية أنها قصفت مقراً للقيادة العسكرية العراقية
وبالفعل قتلوا الجنود العراقيين الأبرياء أثناء انسحابهم من الكويت وقاموا بتجربة ما سميت بأم القنابل أثناء الغزو واستخدموا أسلحة تذيب البشر في موقعة المطار والقائمة تطول وتتوالى الصور والذكريات من صورة امرأة احترقت وهي ترضع طفلها على صدرها في ملجأ العامرية لجريمة إحراق الفلوجة وتحويل ملعب الكرة في المدرسة لمقبرة جماعية إلى صورة رسمها صاروخ الحرية الأمريكية بأشلاء امرأة حامل وجنينها على جدار ملجأ العامرية وتتلاحق الصور والذكريات والوقائع إلى جرائم يشيب من هولها الأطفال فتظهر الطفلة عبير التي يغتصبها الجنود الأمريكان ويقتلون والدها ووالدتها وأختها الطفلة ثم يقتلون عبير ويحرقونها
وتتزاحم الصور فنرى مجزرة دير ياسين و قصف الأطفال في مدرسة بحر البقر بمصر إلى قانا في لبنان
أي قوم أولئك أي بشر هم ومن أية عجينة خلقوا ؟
ولا زال مسلسل جرائمهم يمتد ويطول بطول امتداد تأثير إشعاعات اليوارنيوم المخصب الذي ضخوه على أرضنا ليمتد تأثيره من الصين للمغرب للقضاء على أمتنا العربية والإسلامية وآخر أفعالهم إثارة الفتنة الطائفية والعرقية في العراق ولبنان ومحاصرة غزة وتجويع أهلها وحادثة تفجير المنازل على سكانها في حي الزنجيل و محاصرة الموصل الحدباء رغبة في صدمة وترويع آخر
ونقول إن إعادة الأمريكان بعد الاحتلال الغاشم تدمير ما تبقى من ملجأ العامرية الذي حوله الحكم الوطني في العراق لمسجد ومتحف يرتاده أهالي الضحايا وغيرهم ومساعدة حكومة الاحتلال على نهب محتوياته لن يمحو أثار ما فعلوا فالتاريخ حي ويقظ ولن يرحم الطغاة والخونة
في نيسان 2002 أقامت دائرة الشؤون الهندسية التابعة لديوان الرئاسة السابق مشروع لتطوير الملجأ الذي ضم مركزا إعلاميا ومقبرة رمزية للشهداء ونصب تذكاري لغرض تخليد الضحايا وليبقى رمزا خالدا يبين مدى الجريمة البشعة التي ارتكبت بحق المدنيين العزل ولكن بعد غزو واحتلال العراق قامت العصابات الإجرامية التابعة للص البنوك الدولي المحترف أحمد الجلبي (تم تدريبهم بمعسكر هنغاري برعاية وتمويل من المخابرات الأمريكية ليكونون بدورهم جواسيس وإدلاء) بتدمير النصب التذكاري وسرقة وتخريب محتوى الملجأ الذي كان يضم بداخله مقتنيات تذكارية وصور للشهداء العراقيين الذين لقوا حتفهم داخله بل تم قتل بعض الحراس الذين تصدوا واعترضوا على عملية النهب والتخريب
ترى متى نفيق كأمة حُرة أبية ومتى ننهض إن لم يستفزنا ما يحدث فمتى
يقول أحد الناجين من هذا العمل الوحشي الجبان أن "انتشال الجثث من وسط الركام كان مشهداً يبعث على الرعب ويثير الفزع والخوف وكان جميع أهالي رواد ملجأ العامرية ينتظرون إخراج الجثث ليتعرفوا على أصحابها لكنهم كانوا مع اللحظات التي تمر يتملكهم اليأس ويعصف بهم الحزن لأن كل الجثث كانت مشوهة ومتفحمة ومقطعة الأوصال بل إن جثث الأطفال كانت أكواماً من لحم محترق ومن هياكل عظمية محطمة وكان من المستحيل التعرف على أكثرهم والتصقت أجساد الأطفال بأجساد أمهاتهم ولم يكن بالإمكان معها تميز الطفل الرضيع عن أمه
يقول البروفيسور "ماكغواير غبسون" تعبيراً عن استنكاره الجرائم البشعة التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية ضد شعب هو من أعرق شعوب الأرض قاطبة "حرب الخليج هي أحقر حرب خضناها نحن الأمريكان حتى الآن وإنها خطأ مأساوي سيكلفنا الكثير والمنطق الذي استخدمته أمريكا سابقاً لتبرير قصفها مدينتي هيروشيما وناكازاكي بالقنابل الذرية حينما ادعت أنها قصفت قاعدة مهمة للجيش الياباني استخدمته مجدداً في قصفها الوحشي لملجأ العامرية حيث ادعت في تصريحاتها أنها قصفت مقر قيادة وسيطرة عسكري في بغداد مهم للغاية لكنها قصفت ملجأً مدنياً كان يتحصن فيه مدنيون لا حول لهم ولا قوة"
وقد أرادت من هذه الجريمة البشعة ترويع الناس الأبرياء وإرهابهم وهز معنوياتهم والتأثير في صمودهم ومقاومتهم للعدوان وهو التبرير نفسه الذي ساقوه في قصفهم لليابان في ادعائهم وحيث مرارة الصورة البشعة التي نقلتها عدسات المصورين والصحفيين الذين توافدوا بعد سماعهم الضربة وكانوا شهوداً على وقوع الجريمة
انهارت آلة الكذب والدعاية الأمريكية بعدها واضطر البنتاغون للاعتراف بالجريمة البشعة التي ارتكبتها وأنها حدثت بطريق الخطأ وليس بالقصف المتعمد لمكان مدني وبعد القصف بساعات وصل إلى أرض المحرقة المراسلون والصحفيون وصوروا هذا الحدث المرعب دون قيود أو شروط مسبقة ونقلوا الوقائع كما شاهدوها بأم أعينهم في الملجأ أثناء تجوالهم داخله ومنهم مراسل قناة "بي بي سي" حيث كان يتجول بحريته حاملاً بيده مصباحاً يدوياً لغرض الرؤية لأن الظلام الدامس كان يخيم على جميع أروقة الملجأ وهو ينتقل من مكان لمكان داخل الملجأ حيث رجال الدفاع المدني والإطفاء يسارعون بإخراج الجثث المتفحمة يقول المراسل الصحفي (أنا الآن أبحث وسط أكوام هذه الجثث المحروقة لغاية التفحم عن أي شيء يشير لوجود معدات عسكرية أو أجهزة اتصالات أو أي شيء له علاقة بالجانب العسكري وحسب ادعاء القيادة الأمريكية بأنها استهدفت موقع قيادة وسيطرة عسكري مهم وحيوي فلم أجد إلا أكوام الجثث المتفحمة والتي التصقت حتى بالجدران الداخلية للملجأ)
هذه الشهادة كانت حية ومن موقع الحدث وهو أحد الأفلام الوثائقية الكثيرة التي صورت في مكان الحادث بعد وقوعه عن ما أشيع عنه بأنه ملجأ قيادة وسيطرة عسكري أكد جميع الأهالي بأن هذا الملجأ فارغ وليس به إلا معدات خاصة بتشغيل الملجأ من مولدات كهربائية وغيرها
ومن الجدير الإشارة لما نشرته الصحف الغربية بخصوص هذه الجريمة البشعة لملجأ العامرية فقد نشرت صحيفة "الصنداي تايمز" البريطانية في عددها الصادر يوم 17/2/1991 أن (مصدراً رفيعاً في البنتاغون أبلغها بأن وزارة الدفاع الأمريكية تعترف بارتكابها خطأً بقصف ملجأ مدني في بغداد وأن المعلومات التي بموجبها تم تشخيص المكان كملجأ عسكري كانت معلومات قديمة وغير محدثة)
أية معلومات قديمة وقد ذكر شهود عيان في منطقة العامرية حيث يقع الملجأ أن الطائرات الأمريكية ظلت 3 أيام متوالية تحوم حول المنطقة وأحياناً بارتفاعات منخفضة ويبدو أن الهدف من هذا الطيران كان تصوير المنطقة بدقة والتعرف على مواصفات الملجأ وتحديد كيفية إصابته إصابة مباشرة وإلحاق الأذى الفادح بالقاطنين فيه وهذا ما عكسته طريقة تنفيذ الجريمة إذاً المعلومات ليست قديمة لكنها أكذوبة قديمة وورقة من أوراق التضليل الأسود
وفي كتابه "احذروا الإعلام" أفرد "ميشيل كولون" فصلاً مهماً لدراسة أساليب التضليل التي مارستها ماكينة الدعاية الأمريكية والغربية لطمس حقيقة هذه الجريمة البشعة وسعي شبكات التلفزة الأمريكية والغربية عموماً للحد من تأثير هذه المأساة وانعكاساتها على الرأي العام العالمي يقول ميشيل كولون (إن الأمر الذي صدمتنا ملاحظته هو أن المراسلين يتحدثون عنه باسم (الملجأ) في حين تصر هيئة التحرير العسكرية على تسمية (المخبأ العسكري) إن اختيار التسمية ليس بريئاً فالملجأ هو مدني بالضرورة أما المخبأ فهو عسكري بالضرورة أيضاً والثاني يوافق الطرح الأمريكي الرسمي)
ويستغرب كولون من عدم نشر مجلة "باري مانش" الفرنسية صور ضحايا الملجأ وهي التي عودتنا على نشر الصور الواضحة للحوادث ومحاولات الاغتيال لكنه يجيب على هذا الاستغراب بالقول (إن سبب تكتم الصحيفة على نشر صور الملجأ هو أن أولئك القتلى لا يخدمون أغراضها ويناقضون الدعاية المطلوبة) الأدهى من ذلك أن المصادر العسكرية عدت قصف الملجأ حتى بعد انكشاف الحقيقة دليلاً على مهارة الطيارين الأمريكان وفعالية قنابلهم الذكية لقد كشفت الجرائم النازية الأمريكية وحلفائهم مدى استهتارهم بالقيم والمواثيق الإنسانية واستخفافهم بحياة الشعوب
يقول الدكتور "هورست فشر" في حديثه عن هذه الجريمة إن "الهجمات الترويعية على السكان المدنيين أو قصف المناطق قصفاً شاملاً التي بطبيعتها لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنية محظورة ولا يلعب المبدأ الإنساني دوراً هنا فإذا كان قصف المدنيين متعمداً فإنه جريمة حرب"
يؤكد نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية في مادته الثامنة اعتبار توجيه الهجمات عمداً ضد السكان المدنيين بحد ذاتهم أو ضد الأشخاص المدنيين الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية هي جريمة حرب واستخدام الأسلحة العشوائية مثل القنابل الانشطارية في مناطق مأهولة جريمة حرب أيضاً
فكما صيغ في البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977 تحظر الهجمات إذا كانت ستوقع خسارة عرضية في حياة المدنيين أو جرحاً أو ضرراً مفرطاً بالأعيان المدنية مقارنة بميزة الهجوم العسكري المباشرة المحددة المتوقعة يلقي هذا الحكم التزاماً دائماً على كاهل القادة العسكريين بأن يأخذوا بالاعتبار نتائج الهجوم مقارنة بالميزة المتوقعة فقائمة الأهداف لا بد أن تجدد دائماً والنزاع يتطور مع ضرورة الانتباه الخاص لحركة المدنيين الآمنة
ربما كان الهجوم على ملجأ العامرية غير قانوني لو (وهذا لم يثبت أبداً) لم تتتبع الولايات المتحدة بعناية حركة المدنيين الباحثين عن ملاذ أمن في بغداد أثناء عمليات القصف وفي هذه المناسبة الأليمة التي تمر على جميع العراقيين الشرفاء ما زلنا نتذكر تلك المنشورات الرخيصة التي ساقتها لنا أحدى راقصات التعري الإعلامي وهي تشيد بفحولة الجندي الأمريكي وأن هذا الجندي قد أتى وستر على نسائنا وبناتنا شئنا أم أبينا هكذا بكل وقاحة وصلافة على حد قولها والآن بعد أن انكشفت عورتها الصحفية والإعلامية من على البارجة الأمريكية الراسية في أحدى دول الخليج العربي أثناء استعراض مفاتنها الإعلامية وتبرير جرائم أسيادها غيرت وجهة البوصلة إلى انتقادهم بعد اكتمال النصب الذي تم تشيده من قبل أسيادها من جماجم العراقيين وكأي مرتزق وعميل انتهت مدة صلاحيته وتم رميها في أقرب منعطف بعد الانبطاح للغازي النازي الأمريكي كل هذه السنين الماضية
لا لا لا
أبدا لن ينسى العراقيون ما كنتم تسطرونه من منشورات رخيصة
ومهما طال الزمن فذاكرة العراقيين ما زالت بخير وقوية
ولكن إلى حين
حيث لنا معكم وقفات أخر
تحية لأرواح الأطفال التي طافت في سماء ملجأ العامرية