تسجيل جديد
اختر لونك المفضل
 البجاري
 01:06 PM
 14.06.10
منقول كاملاً عن مقالة بعنوان "ملحمة البطولة" نشرتها مجلة منارة الفرات.
http://www.mforat.com/modules.php?na...rticle&sid=106

في مطلع شهر حزيران من عام 1925 وقبيل الثورة السورية الكبرى زار الجنرال ساراي دير الزور حيث قدم له الأهالي مطالبهم، وبعد هذه الزيارة بأسبوعين تقريباً عمل الشيخ محمد سعيد العرفي على دفع القبائل للعصيان وهو الذي أعطى الأوامر لجماعته وعددهم 12 شخصاً بنصب كمين وقتل الضابطين برتبة مقدم هما فانيير وفسكوكي وذكر هذه الحادثة الكاتب الفرنسي هنري شارل في كتابه "عشائر الغنامة في الفرات الأوسط"، فقامت القوات الفرنسية بمحاصرة قرية الشميطية لأنهم حددوا مكان اختفاء الضباط بقربها فرموها بالقنابل من الطائرات، وقتلوا عدداً كبيراً من الأهالي والفلاحين ومن جملة القتلى امرأة حبلى مزقت شظية أحشاءها وفصلت جنينها عنها ومات كلاهما وهما يسبحان بدمائهما، كما قصفوا قرى البقارة المقابلة للشميطية على الضفة اليسرى للفرات، وجن جنون الفرنسيين وأخذوا بنشر العيون والجواسيس لعلهم يهتدون للفاعل، وأخيراً توصلوا إلى اعتقال محمد العياش ومحمود العياش وبعض القرويين منهم حاج عزيز العبيد السلامة، وحكمي العبيد السلامة، وحسن علي العبيد السلامة الملقب وليفي، وحمزة العبيد السلامة وجميعهم من قرية الشميطية عشيرة البوسرايا فخذ العساف، وحلبي المسعود العبد الجليل من قرية الشميطية، وخليف الحسن وأسود الحمدان كلاهما من فخذ حسين الحسن من قرية الخريطة، وحمد بن رديني من عشيرة البقارة، وعبد الله الخليف الإبراهيم من أهالي دير الزور صهر محمود العياش يسكن قرية الخريطة، حيث نقلوهم إلى حلب تحرسهم سيارات مصفحة وعليهم آثار التعذيب وهم مصفدين بالحديد.

وقد أجريت لهم محاكمة صورية في حلب وكانت أسرة عياش الحاج قد أوكلت المحامي فتح الله الصقال عن محمود العياش لقاء مائة ليرة ذهبية، وبعد محاكمة قصيرة سنعود إليها بالتفصيل، أصدرت المحكمة حكمها بالإعدام رمياً بالرصاص على كل من: محمود العياش، وحمزة وعزيز وحكمي وحلبي وخليف وأسود وابن رديني، ونفذ فيهم الحكم في برية حلب وحتى الآن لا أحد يعلم مكان دفنهم، فكانت مجزرة بشرية ذكرها المحامي الصقال في مذكراته المطبوعة التي سيمر ذكرها فيما بعد، وحكمت المحكمة بالسجن المؤبد على الحاج علي العبيد وعبد الله الخلف ولم يخرجا من السجن إلا عام 1936 بعد العفو العام.

أما حسن العلي العبد فقد مات قبل المحاكمة من شدة التعذيب والضرب، وحكمت المحكمة بنفي محمد العايش إلى جبلة وجزيرة أرواد.
وفي نفس اليوم الذي نقل فيه هؤلاء الثوار إلى حلب صدر أمر من الجنرال ساراي برقم 49 أس في 5 آب 1925 يقضي بنفي المرحوم عياش الحاج والد محمد ومحمود العياش وجميع أسرته وأبنائه وزوجاتهم إلى بلدة جبلة على الساحل السوري وإلزامهم بالإقامة الجبرية فيها حيث مات عياش الحاج في جبلة مسموماً بعد أن دبر له الفرنسيون من يدس له السم في قهوته عندما كان يتردد على مقهى خارج جبلة، ودفن في جبلة وعند نقل آل عياش إلى جبلة تم نقلهم في 6 سيارات ترافقهم قوة مسلحة من الجند، وقد قضت أسرة عياش في منفاها مدة 4 سنوات صابرة بعد أن ضحت بأبنائها وأموالها في سبيل وطنها. ولولا وساطات زعماء البلاد وكبار شيوخ العشائر في سورية لدى السلطات العليا في بيروت ودمشق وحلب لطال نفي أسرة عياش سنين أخرى نتيجة لهذا العسف والجور الذي لقيه آل عياش قام ثابت عزاوي ( وهو أحد الأربعة الذين قادوا الحركة الوطنية ) كحزب سياسي منظم إلى جانب رفاقهم الشيخ محمد سعيد العرفي ومحمد أمين بيك العليوي فكتب مقالة إلى جريدة القبس موجهة إلى الجنرال ساراي موقعة بإمضاء اشتراكي وطني ومما ورد فيها ما يلي:


في ذمة المدينة الأوربية التي ابتليت بها هذه البلاد، وفي ذمة الجنرال ساراي رسول الاشتراكية والمبشر بالعدل والحرية أبعث بهذه الكلمة احتجاجاً على معاقبة الكل بجريمة الفرد.


ثم أورد الآية القرآنية: "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، وكان المقال يتجاوز العمودين، وبعد اطلاع الفرنسيين عليه قرروا إبعاد كاتبه الذي يحتج فيه على نفي أسرة العياش وظن الفرنسيون أن الشيخ محمد سعيد العرفي هو كاتب المقال لأنه كان صديقاً لمحمد العياش ويعملان سوياً في الحقل الوطني فنفاه الفرنسيون إلى أنطاكية، حيث بقي فيها سنتين سافر منها إلى مصر.

وبعد نفي الشيخ العرفي هاجر الشاعر الفراتي ليترك الساحة النضالية الثورية فارغة إلى حين.

والآن بعد هذا العرض للوقائع ومحاكمة الثوار في حلب ونفي آل عياش إلى جبلة والشيخ العرفي إلى أنطاكية ومغادرة شاعرنا الفراتي إلى العراق وتعاطف أبناء دير الزور وخروجهم عن بكرة أبيهم صباح يوم نفي آل عياش لتوديعهم بالدموع والحسرات في موقف وطني لم يحدث في أي مكان آخر من الوطن، بعد هذا الزخم المتلاحم من الأحداث لنسلط الضوء على بطل هذه الملحمة الوطنية.

الثائر محمود العياش فمن هو: هو محمود العياش لقبه أبو ستيتة من عشيرة البقارة فخذ البوعبيد وهم من السادة الحسينية اسم أمه كمورة العبود الحسن، شقيقة الحاج فاضل العبود وجدعان العبود الذي كان يرأس بلدية دير الزور كما رأينا عندما حضر الجنرال ساراي وقد ترأس حكومة مؤقتة شكلها في دير الزور أيام الفلت معروفة باسم "حكومة حج فاضل" وزوجته حسينة طوير شقيقة حسن الطوير والد قاسم الطوير عالم الآثار السوري المعروف.
مواليده: ولد عام 1889م وأعدم عام 1925 بعد محاكمة صورية في محكمة حلب العسكرية، وكان عمره 36 عاماً.
أولاده: عندما أعدم كانت زوجته حاملاً فولدت بعد إعدامه مولوداً ذكراً سمي عبد الصمد ولقبه ( كرموط ) أي قرط رأس أبيه، وهو نذير شؤم.
أسرته: أسرة مناضلة نفيت بأكملها إلى جبلة وبقيت فيها أربع سنوات وعادت إلى دير الزور من النفي بعد توسط زعماء البلاد السورية ورجال العشائر.
والده: عياش الحاج قتل مسموماً في جبلة ودفن فيها.
قبره: لا يعلم أحد أين دفنه جلادوه الفرنسيون بعد أن قطعوه إرباً إرباً في برية حلب.
عمله: كان يعمل بالزراعة وتجارة الصوف والسمن مع والده.

والآن بعد أن عرفناه جيداً ما هي حقيقة الحدث الذي هزّ فرنسا ووضع الجنرال ساراي المندوب السامي الفرنسي في كف عفريت وجعله يفقد رشده متخبطاً... لنتابع الحدث:

في مطلع شهر حزيران من عام 1925 وقبيل الثورة السورية الكبرى زار الجنرال ساراي دير الزور حيث قدم له الأهالي مطالبهم المتمثلة بالنهوض بالتعليم والحقوق الوطنية للشعب السوري وبعد مغادرة الجنرال ساراي دير الزور إلى دمشق بحوالي أسبوعين أي في النصف الثاني من حزيران 1925 فُقد على الطريق الرئيسي بين مدينتي حلب ودير الزور ضابطان فرنسيان برتبة مقدم (كومندان) وهما فانيير وفسكوكي، وكانا قد جاءا من فرنسا لتفقد دوائر الإنشاءات العسكرية الفرنسية في كل من دير الزور والجزيرة، وهما في نفس الوقت مهندسان، على إثر اختفائهما شرعت دوريات عسكرية تجوب المنطقة طولاً وعرضاً إذ إنهم حددوا مكان اختفائهما على الطريق العام عند قرية الشميطية وعين البوجمعة، وأخيراً عثر الفرنسيون على جثتيهما مع سائقهما الفرنسي في بئر سحيقة حيث لفظوا أنفاسهم فيها.

وقد استطاع الفرنسيون التوصل إلى امرأة كردية تعمل (حواجة)، أي بائعة متجولة تدور على القرى بدابتها وتبيع بضاعتها لأبناء الريف يسمونها في دير الزور "كريدية" وكان أحد الديريين المحسنين يسكنها مجاناً في بيته رأفة بحالها الضعيف من عائلة آل عويسة من عشيرة البوبدران، الذين ينتسبون إلى السادة الحسينية حيث أدلت بمعلومات للشرطة العسكرية بدير الزور تقول فيها أنها شاهدت أبو ستيتة وعدداً من رفاقه في عين البوجمعة على طريق حلب – دير الزور بنفس تاريخ اختفاء الضباط الفرنسيين فاعتقلوه واهتدوا إلى رفاقه القرويين وساقوهم إلى حلب مصفدين بالحديد تحرسهم السيارات العسكرية المصفحة، وقد أوكل آل العياش المحامي فتح الله الصقال للدفاع عن محمود العياش، فتوجه المحامي إلى المحكمة فوجد هناك الكابتن رو النائب العام العسكري الذي أخبر المحامي بأن القضية تأجلت إلى صباح الغد الباكر، وبقي المحامي ثلاث ساعات يطالع أوراق القضية حيث انعقدت المحكمة في الساعة السادسة من صباح 4 أيلول 1925 وكانت الجلسة حافة بكبار الضباط الفرنسيين ورهط من آل العياش والأهالي، وقد استهلت المحكمة جلستها بالاستماع إلى بعض الشهود من جملتهم الكابتن بونو رئيس الاستخبارات العسكرية بدير الزور الذي قال حرفياً:


إذا كان من الأشقياء الذين اقترفوا هذا الجرم الفضيع يستحق الموت مرة واحدة فإن محمود العياش زعيم العصابة يستحق الشنق مرتين.


ولما جاء دور النيابة لفظ الكابتن رو خطاباً مؤثراً طلب في نهايته إصدار حكم الإعدام على المجرمين دون تفريق بين واحد وآخر.

عمل المحامي في البداية على وصفه للفرنسيين القتلى أنهم شهداء الواجب، ثم يقول كنت أود أن لا تقترف هذه الجريمة على الأراضي السورية مهبط الأنبياء الثلاثة (وهذا فيه ممالأة للمحكمة والفرنسيين) ويستطرد قائلاً:


إن محمود العياش بريء لأن القانون الجزائي وضع للإثبات أسساً يرتكز عليها وهذه الأسس ثلاثة أولها شهادة الشهود وذلك يتعلق بعمل حسي قام به المتهم، وهذا غير متوفر في القضية، وثانيها الوثائق الخطية، وإن محمود العياش لم ير الضحايا ولا يعرفهم وليس بينه وبينهم عداوة سابقة. أما الشرط الثالث فهو الإقرار الشخصي والاشتراك بطريقة من الطرق التي ينص عليها القانون، ويكون في حالة التحريض أو الوعد بدفع مبلغ معلوم أو في حالة استعمال النفوذ الأدبي أو بتقديم أدوات الجرم من سلاح وغيره أو بإعطاء التعليمات اللازمة لتنفيذ الجريمة. والاشتراك بعد وقوع الجرم يكون بإخفاء المجرم فإذا استعرضنا هذه العناصر واحداً واحداً يتضح جلياً أنها غير متوفرة وعدم توفرها ينفي مهمة الاشتراك.


واختتم المحامي مرافعته مستحلفاً المحكمة أن لا تحكم بدافع من عواطفها القومية بل بدافع من عقلها ومنطقها.

اختلت المحكمة بنفسها ساعتين كاملتين، ولما عادت إلى قاعة المحاكمة لإصدار حكمها اشرأبت الأعناق وأصغت الآذان لتسمع القرار الرهيب الذي قضى بالإعدام على جميع المتهمين.


وفي فجر 5 أيلول 1925 وبعد محاكمة لم تستمر 24 ساعة تم تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص حيث اخترقت 44 رصاصة أجساد أولئك التعساء وكان المشهد الأخير أشد هولاً، فقد كدست أجسادهم المضرجة بالدماء في عربة نقل عسكرية ذهبت بهم إلى المشفى الوطني حيث تم دفنهم في مكان غير معروف إلى هذا اليوم. وبقيت هذه المشاهد تقض مضجعي أياماً طويلة.


انتهى كلام المحامي، والآن بعد أن عرفنا المحاكمة والتنفيذ وأن الرواية الفرنسية تقول بأن الإعدام تم بالرصاص، أما حقيقة الأمر فهو أن المدام زوجة الكومندان فانيير والتي حضرت من فرنسا بقيت فترة طويلة تحاور محمود العياش محاولة إقناعه بالاعتراف باقتراف جريمته هذه وأنها حاولت مساعدته إذا اعترف فكان جوابه الدائم النفي، وأن لا علاقة له بالأمر وأخذت تستعطفه قائلة له بمعنى "برد لي قلبي" ولكن جوابه لم يتبدل إلى لحظة إعدامه، وقد لجؤوا إلى تقطيع أوصاله إرباً إرباً، وبعد كل عضو يقطعونه يقولون له اعترف وهو ثابت كالطود راسخ كرسوخ نهر الفرات العظيم الذي نشأ على ضفافه، وقد لفظ أنفاسه لتزهق روحه إلى بارئها شهيداً في عليين، وما أكثر الشهداء الذين قدمتهم مدينته الباسلة.

أليست محكمة دنشواي في مصر أمام هذه الملحمة الرائعة تبين وجه الشبه بين المستعمرين أينما وجدوا؟

وكانت هذه المحاكمة مقدمة للثورة السورية الكبرى التي ستحصل بعد هذه الأحداث الدامية.
 ساجد المرواني
 05:29 PM
 14.06.10
السلام عليكم
ماشاء الله ... اللهم ارحم وتقبل
أخي البجاري المحترم والنعم منك ومن السادة البقارة أهل الهبات السّارة أهل الحسب والنسب
ولو نظرت الى وادي الفرات فلن ترى الا البطولة والفداء
وحياك الله يا الحسيني بين أهلك وناسك عيال الابرز
في أمان الله ....

 سعد العقيدي
 08:01 PM
 14.06.10
مشكور أخوي البجاري

على نقل هذه الواقعة

والمستعمر في كل زمان ومكان هو هو

تقبل تحياتي

 فائز بدر العكيدي
 10:36 PM
 14.06.10
مشكور اخو على النقل
 البجاري
 05:41 PM
 15.06.10
اشكر اخواني و احبابي وان شاء الله نكون اهل و اصحاب امين يارب تجمع شملنا
 إبن الفرااات
 04:18 PM
 23.07.10
مشكور أخي الكريم لتعريقنا بهذه الشخصية
Up