المواجهات السعودية على الحدود اليمنية مع الحوثيين جاءت لتؤكد، مرة أخرى، أن اليمن وقع ضحية حرب أكبر بكثير من حدوده الإقليمية، رغم أنه يتحمل مسؤولية كثير من أسبابها الاجتماعية والسياسية، بحيث تحوّلت المواجهة بين الحكومة والزيدية إلى مواجهة مفتوحة يستثمر فيها بعض السنة وبعض الشيعة من أجل الدفع بالفتنة الطائفية إلى خط اللاعودة، في معركة كسر عظام بعيدة عن أراضي الرياض وطهران.
ما يحدث اليوم لا يمكنه فهمه بمعزل عمّا حدث من قبل، في الخليج ذاته، لما رشحت الولايات المتحدة الأمريكية الرئيس الراحل صدام حسين ليكون حائط الصد الذي يحول بين "تصدير الثورة" وبين الأنظمة التي خشيت على عروشها من امتداد الثورة الإسلامية بوجهها الشيعي وبروز نجم الخميني في مقابل أفول الملوك والأنظمة العربية التي جمعت بين الاستبداد والبحث عن مسوّغاته الدينية لإخماد لهيب الصحوة المستعرة، مما سبب لها انحرافا أبعدها عن مسارها وجعلها تأتي على الأخضر واليابس. ولهذا لم يكن من قبيل الصدفة أن يتهم الحوثيون السعودية بدعم الحكومة اليمنية، وأن تتهم الحكومة اليمنية نظام الملالي في طهران بدعم الزيدية بهدف خلق جسر شيعي آخر، رغم الفوارق الموجودة أيديولوجيا بين أتباع الإمامية وأتباع الإمام زيد بن علي.
هذه المواجهات العسكرية صاحبتْها مواجهات سياسية أُلبست لباس الدين، بين مرشد الثورة الإيرانية وبين مفتي الملكة العربية السعودية، حول قضايا تتعلق بـ"مسيرات البراءة من المشركين" التي تحاول إيران تنظيمها في الحرمين الشريفين في موسم الحج، وهو ما تعتبره المرجعيات السنية "بدعة موظفة سياسيا"، قبل أن يتوعد أحمدي نجاد السلطات السعودية في حال أساءت معاملة الحجاج الإيرانيين، بما يُذكّر بما حدث في حج عام 1986، ولن يكون الخاسر سوى جموع المسلمين الذين يقعون، دائما، ضحيةَ سياسةٍ مصلحةُ الشعوب والأوطان المسلمة هي آخر اهتماماتها.
بعض الناس قد يستبشر بالتدخل السعودي العسكري في الأراضي اليمنية، كما استبشر بعضهم بالدعم الإيراني لفائدة الحوثيين، رغم أن الحوثيين أنفسهم ينفونه، ويحاول كل فريق استحضار ملاحم التاريخ من أجل قراءة الواقع: باسم كربلاء أو باسم ملحمة أخرى.
لكنّ المؤكد هو أنه عندما ينجلي غبار هذه المعركة، سنُدرك حجم المأساة التي جلبناها لأنفسنا مرة أخرى باسم الطائفية واستنساخ التاريخ.. لأن ما يحدث اليوم في اليمن وما حدث في العراق سيطال جميع الدول العربية التي تعيش فيها أكثر من طائفة ومذهب أو نحلة، وتتحول مجتمعاتنا إلى بؤر ساخنة نُُواجه فيها هزائمنا الخارجية والداخلية بحروب مذهبية، ثم نستنجد بالدين والتاريخ ليمنحانا بعض المصداقية لحروب أخطأت مدافعها وجهتها: من التغيير والحرية والتنوير إلى إضفاء الشرعية على الاستبداد واللعب بأنقاض التاريخ من أجل تحطيم المستقبل الذي لا يبدو، على الأقل في "اليمن السعيد"، أنه سيكون سعيدا.