فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله
كثير من الناس يتفننون في محاولة الانتقاص من شأن آخرين؛ معتبرين أنفسهم هم أصحاب كل سبق، وكل فضل، وأنهم المستحقون لكل ثناء، إذا سألتهم عن أحد يحذرونك منه، وإذا لم تسألهم ينبشون في الموضوع كي يقولوا رأيهم في الشخص الذي يكرهونه من دون سبب وجيه، وإذا سألتهم لماذا تكرهونه؟ يجيبونك على الفور بأشياء وادعاءات لا علاقة لها بالحقيقة على أرض الواقع، هم مجرد نابشين في سير الناس المحيطين بهم، كنابشي القبور، ودائماً ما يكون الشخص المنبوشة سيرته هو أفضلهم على أكثر من مستوى؛ أدناه أنه خارج حلبة النميمة التي يكون هو موضوعها بالضرورة، وأعلاه أنه الأفضل وإلا ما ذمّوه ونعتوه بنعوت ليست فيه.
هناك طريقة من طرق الردح التي يتخذها بعض الكتّاب أو من المفترض أنهم كتّاب بالتباكي على أمجاد وادعاء أمجاد لا أصل لها إلا في مخيلتهم المريضة.
هؤلاء مثلهم مثل النمامين الذين ينبشون في سير آخرين ليسيئوا إليهم، فقط لأنهم يُذكرون بخير، أو ربما يُفضلهم آخرون عليهم.
ما أسهل الادعاء بأنك أنت الأفضل، لكن من دون دليل، وإذا استشهدت بأمر غالبًا ما يكون استثنائياً أو غير موجود في الحقيقة، فتكون كل ادعاءاتك مكانها الطبيعي أن تذهب أدراج الرياح، ومردودة عليك، والأفضل أيضاً أن تذهب مع ادعاءاتك المغرضة.
طالما أن هناك أناساً يسبونك فاعلم أنك أفضلهم، لأن هناك فرقاً وفرقاً كبيراً جداً بين المواجهة والسب في الخفاء، وأحاديث النفوس الشيطانية، وبين من لا يستجيبون لمثل هذه النميمة بحال.
مفارقة هؤلاء المرضى لا يعدها هروباً إلا الجاهلون الذين يريدون أن ترتفع الهمهمات والنمنمات لتزيد الكراهية بين الناس وبعضهم البعض من دون سبب.
حقيقة ما أسهل شخصنة الآراء وخلط الأوراق بعضها البعض لتتحول القضية المطروحة -التي ربما تكون عامة- إلى قضية مشخصنة لتصب الويل والثبور وعظائم الأمور واجتراح لغة شتائمية تشوش على الذين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ينتمون. فتارة يصدقون الشتم، وتارة يصدقون الدفاع.
لسنا في حاجة إلى دفاع، ولسنا في حاجة إلى ردح لنرد على حاقد أو حاسد أو ربما مغرض لا يفهم ولا يحب أن يفهم حقيقة الأمور، لينقل ما به من سموم إلى خارجه في أي صورة تعبيرية شاء، وقد ارتضى لنفسه أن يكون مثل الحمار الذي يحمل أسفاراً لا يفهم ما فيها على الرغم من أنها فوق ظهره.