السلام عليكم ورحمة الله
لو أراد الحديث عن منزلته لاستعرض قائمة من أسماء الاعلام في السياسة والثقافة ممن إنتزع إعجابهم وهم يتجولون في أرجائه مبهورين ليس أولهم انديرا غاندي ولا آخرهم جاك شيراك
في كل هذا وبين هذا تقول ذاكرة السوق أن أعواماً من الرخاء والتعب اللذيذ مرت عليها
ولايمكن لها أن تنساها يوم كانت تواصل العمل بهمة ونشاط من إشراقة الشمس حتى صلاة العصر لكي تلبي الطلبات التي تفوق قدرتها على العرض سواءُ للعرب والاجانب المفتونين بالتذكارات والفنون الرفيعة وفي مقدمتها قطع النحاس الفنية أم للقادمين من الأحساء والقطيف خاصة وبلدان الجزيرة والخليج العربي عامة لأقتناء (سيتات) الدلال وكل (سيت) يتألف من سبع قطع متفاوتة الحجم
أم تلك الآلاف المؤلفة من الاسر العراقية بدواً وحضراً وريفاً ومدينة والتي لاتدخل غير أواني الصفر الى منازلها آتية للطعام والشراب فماذا حل بالمكان وأي عين لم تصلي على النبي اصابته بالفجيعة ؟
لو كان الامر الذي أودى بهذه السوق الى ما أودى بها من كساد وتراجع هو عين لقرأ النحاسون المعوذتين ورفعوا التعاويذ على واجهات دكاكينهم تطرد الحسد وتبطل فعل العيون التي تتعاطى السحر
ولكن الوقائع تنبىء بغير ذلك فالمصاعب أحاطت بالمكان من كل مكان والسهام نالت من جسده حتى لم يعد قادراً على الوقوف !
أيام كان العراق مركزاً للسياحة يتهافت عليه العرب والأجانب لزيارة متاحفه وأسواقه القديمة
كان لزاماً عليهم في المقدمة زيارة المتحف البغدادي الذي يعرض تماثيل الشمع والمتحف العراقي بمحتوياته النادرة
وفي ما يخص الأسواق فإن سوق الصفافير كان المعلم السياحي الأبرز الذي يقصده الزوار لاقتناء بعض مما يباع فيه
يعد سوق الصفافير أحد أغرب وأجمل أسواق بغداد وأكثرها أناقة من الداخل وإن أكثر ما يثير الزائر لهذا السوق هو تاريخه الغني بالقصص الغريبة والطريفة فعندما تتجول فيه وللوهلة الأولى تشعر وكأنك في متاهة ما بين الماضي والحاضر وما يربط بينهما من جسور حيث تجدها في هذا السوق مع ضربات المطارق الحديدية (الدكات) على النحاس (القطع النحاسية) أو مادة (الصفر) كما تسمى بالعامية وكل ضربة من هذه الضربات تحكي لك قصة من القصص الشيقة فتذهب بك إلى الزمن الماضي وتأريخه التليد قبل سنوات عندما أراد باحث غربي أن يدرس حياة الناس وتفاصيل يومهم لم يجد أكثر من أن يردد تلك العبارة الأثيرة بأنه وجد بغداد سوقًا كبيرة ووجد أن الشعر في بغداد يطوف بين الأسواق ينتقي الحب ويتبادل القبلات في إشارة منه إلى أن الشعر الذي يخرج من مثل هذه البيئة جدير أن يكون بضاعة ثمينة وفيها يمتزج عبق الماضي وأصالته بنكهة الحاضر وفنه وجماله
نظن وليس كل الظن إثماً بأن بضع السنوات القادمة ستشهد رحيل آخر صفار واغلاق آخر محل من محال النحاس ليقوم مكانه دكان لبيع القماش او الكبة او الملابس العتيقة وبذلك يصبح سوق (الصفافير) اثراً بعد عين وخبراً من اخبار الكتب
والحسرة لاتكمن فقط في ان هذا الفن هو ميراث سومر العراقية منذ 4 آلاف سنة ق.م او يزيد ولافي كون هذه السوق كما يؤرخ مؤرخو الأدب كانت مصدر الهام الفراهيدي وهو يستمع الى دندناتها فيهتدي الى ايقاع الشعر وبحوره بل قد لاتكمن الحسرة فقط في ان بغداد عامة والموصل خاصة كانت وراء نقل هذه الحرفة وآيات فنونها لغرب اوروبا وشرقها على حد سواء يزينون بها الكنائس والقصور مثلما اتخذها الأباطرة والملوك عنصراً رئيساً من عناصر البلاط
ومن دواعي الحسرة والأسى أن اولي الأمر العاملين بالمعروف الناهين عن المنكر سواء كانوا من اهل التراث ام من اهل السياحة ام من اهل البلدية لم يلتفتوا لهذه السوق التي أعيتها مواجهة (الخصم) فراحت تتراجع امام زحفه من غير ان تتحرك شعرة في اجسادهم
واسباب الانحسار بعد ذلك كثيرة وليس فيها سبب لا يثير الحزن ولكننا لا نود استباق الأمور ولا نريد ان ننصب مجلس عزاء قبل التوثق من تقرير الطبيب وشهادة الوفاة فقد هيأنا لذلك وقفة خاصة عن تاريخ (الفقيد) ومناقبه وطرائفه ونقوم بواجب التعريف بينكم وبينه
بايجاز شديد تشير المعلومات ان اغلب خامات النحاس تتألف من (كبريتيد النحاس والحديد) وان النحاس لا يحتمل درجات الحرارة العالية حيث يصبح هشاً عديم المتانة ويفقد ليونته ويتشقق ومع كل ما يقال عن منافعه وتعدد اسباب الحاجة اليه إلا ان الأمر المهم يكمن في استعمالاته المنزلية على ما في ذلك من (مخاطر) لأن الأبخرة التي تعلق بسطوح القدور مثلاً عند تسخين الماء تؤدي لتجمع اكاسيد الكاربون السمية القاتلة للأنسان مثلما تؤدي الى صدأ النحاس نفسه ولهذا يعمد الناس الى (جلي) اوانيهم او (تبييضها) بالقصدير الذي يرفع التأكسد ويمنع (الزنجار) لمدة قد تصل عشرين سنة
ومن الطريف ان خام النحاس المدعو (ملاخايت) وهو كربونات النحاس (القاعدية الخضراء) كانت تستعمل بمنزلة (صبغة) للعيون عند نساء وادي الرافدين اما في مصر القديمة فقد اتخذت النسوة منها كحلاً وزينة للعين
من الناحية التصنيعية يتفوق هذا المعدن على غيره فهو مطيع مطاوع سهل التشكيل وامكانية التصرف به كبيرة فاذا اضفنا لذلك لونه الاصفر الجذاب ادركنا اسباب العناية به منذ عصور موغلة في القدم لشتى الأغراض منها ما تعلق بالحلي وادوات الزينة ومنها ما ارتبط بالاستعمالات المنزلية ومنها ما استغل في صناعة الأسلحة كالسيوف والخناجر والحراب والمقابض هذا غير التشكيلات والأعمال التحفية التي برع فيها بعض فناني النحاس من تطعيم او تكفيت ونقوش وزخرفة
وأياً كان الأمر فاللقى الأثارية تؤكد بأن السومريين كانوا من اوائل الذين نقلوا النحاس من مادته الخام الى استعمالاته الحياتية بعد ان تمكنوا من صهره وهي خطوة بالغة الأهمية ثم وفقوا بعد ذلك لمزجه بمعادن اخرى ليسهل صهره ويكتسب القوة المطلوبة وربما كان تل (الصفر) وتل (الصوان) اللذان عثر فيهما على اقداح واوان وادوات صيد واقدم قرط وقطع من النحاس الخالص تعود الى الألف السادس ق.م من افضل الشواهد على عراقة هذا الفن العراقي الذي يدفعنا الى تصحيح معلوماتنا والتصريح بأن التاريخ يعود بهذه الصناعة الى 8 آلاف سنة
ومن المفيد التذكير أن (النحاس والصفر) هما مسميان لمعدن واحد وان كلمة (الصفر) هي التي طغت على لفظة (النحاس) فكانت سوق الصفارين وليست سوق النحاسين ولا نظن إلا ان الناس قد حرفت الفصيح الى العامي للسهولة فقالت (سوق الصفافير) وكان الحق ان تقول (سوق الصفارين) وجدير بالتذكير ايضاً إن الصفر الذي هو معدن ينطق بصاد مضمومة وفاء ساكنة تمييزاً له عن الصفر بصاد مكسورة وفاء ساكنة وهي النقطة التي توضع الى يمين الأرقام والعامل في الصفر يدعى الصفار بصاد مفتوحة وفاء مشددة والكثير من الأسر العاملة في هذه الحرفة اتخذت لنفسها لقب الصفار
لهذا المكان ذي الموقع المعلوم بين شارع الرشيد بداية وخان الحريري نهاية عالم خاص به اصبح بالأمكان ارتياده وكان بمقدور السياسي المكبوت ان يمر فيه ويهتف بسقوط الاستعمار البريطاني ونوري السعيد وصالح جبر باعلى صوته من دون ان تقبض الشرطة السرية عليه اذ لا احد يسمع احداً لأن أكثر من مئة مطرقة ومطرقة تضرب في وقت واحد وتثير من الضجيج مالا قبل لأنسان من غير أهل السوق احتماله اكثر من ثوانٍ معدودات
معلوم أن الحد الطبيعي المقبول للصوت هو (40 ديسبل) وبأن درجة الصوت في سوق الصفافير تصل الى 70 ديسبل عند فتور العمل والى 90 ديسبل عند اشتداده ولا نغالي اذا قلنا ان السوق اليوم دون درجة الأربعين بكثير وهذا وحده يؤشر مدى الانقلاب في حجم العمل وكساد البضاعة وهجرة الفن
بين دكاكين هذا العالم الأصفر نتعرف على شيء غريب من نشأته فقد كان اول عهده عقاراً تابعاً للمدرسة المستنصرية ومطبخاً كبيراً لشيوخ المدرسة وعلمائها واساتذتها وطلابها فلما آل الامر الى العثمانيين الغوا هذه الوظيفة وهدموا مطبخ العلماء وتحول المكان الى مجموعة دكاكين واسواق انفرد النحاسون بركن منه سوقاً لحرفتهم وقد ظل الحال على حاله الى بداية الثمانينات حيث تم تجديد السوق بالصورة التي اصبح عليها وقد تحمّل الصفارون ثلث التكاليف وتحمّلت امانة بغداد الثلثين فاذا بلغنا العقد التسعيني صعوداً لمسنا لمس اليد إن السوق ما عادت تمتلك صفة التخصص فدكاكينها خليط غير متجانس بينهم بائع القماش وبائع النحاس وبائع البلاستك وبذلك ارتبكت الخارطة وتداخلت الحدود
لهذه الحرفة عالم خاص ضيق مغلق شبيه بحرفة الذهب والفضة ولاغرابة في ذلك فجميعها تنتمي الى الصياغة والفن ومن هنا ظل الصفارون يتوارثون هذه الصنعة وراثة لا تكاد تخرج عن بيوتاتهم حيث يبدأ الصغار في سن العاشرة يتلقون معارفهم ثم لا يبرحون عن الحرفة الى آخر العمر
ومع الزمن استطاع الصفارين تمييز الطرقة عن الطرقة فبمجرد سماع الصوت يستطيعوا اخبارك هل هذا الصفار يطرق على دلة ام طشت ام إبريق ام إناء .. إنها الخبرة سيدة العلم
وفي هذا العالم نتعرف على سوق اكتسحت البيوت وغزتها وباتت جزءاً من تقاليد الناس وذلك عبر التنوع في منتوجاتها وخاصة خلال الستين سنة الواقعة بين اعوام 1920-1980 التي تمثل العصر الذهبي للسوق وفي المقدمة منها الحاجيات المنزلية كانواع القدور والصواني والصحون والطشوت او الطسوت والكاسات والأباريق وآنية غسيل اليدين (اللگن) او (السلبچة) والجرار والمغارف والچفاچير والهاونات… الخ
ومن المعلوم لأبناء الجيل الذي عاش مرحلة الخمسينات وما قبلها من القرن الماضي بأن هناك عرفاً لا مجال للتغاضي عنه وهو ان يضم جهاز العروس مقتنيات منزلية من الصفر ولا فرق في ذلك بين سكان الريف والمدينة
على ان بضاعة النحاسين لم تقف عند هذا الحد فقد احتلت صناعة (دلال القهوة) حيزاً واسعاً من اهتمامهم وكان الطلب عليها واسعاً سواء داخل العراق لتغطية حاجة المضايف العراقية ام خارجه وبالذات اقطار الجزيرة والخليج العربي فقد كانت مستورداً كبيراً للدلال المصنعة في سوق الصفافير لما تتميز به من اتقان وجودة وجمال صنعة
والأمر لا يقل وصفاً وحديثاً في مجال فن التحفيات وما رافقها من نقش وزخرفة ورسوم وكتابات ابهرت اهل الفن مثلما ابهرت الهواة من الأغنياء والموسرين والسياح
ثمة امور كثيرة شهدتها السوق حتى اصبحت بعضاً من تقاليدها الطريفة فالتاريخ القريب يحدثنا ان قراء المقام في ثلاثينات القرن الماضي كانوا يقصدون هذا المكان ويصغون الى الطرق والضربات المنفردة والمتداخلة فيستوحون منها ايقاعات الحانهم المقامية
وفي هذا العقد ايضا كانت سرية الخيالة في الجيش العراقي تأتي بخيول السرية وتقطع بها السوق من اولها الى اخرها ذهاباً وإياباً لكي تدجنها على الضجيج والاصوات العالية وتعتاد على الحالة فلا تنفر ولا تجفل ولا تهرب في اثناء المعارك حيث الطلقات النارية وهدير المدافع
وجرت العادة في هذه السوق مجرى ظريفاً آخر يدل على عمق العلاقة بين اصحاب الحرفة فالرجل منهم اذا قرر الزواج واعلن ذلك على الجماعة قام وجيه من وجهاء السوق بحمل سلة بين يديه وطاف في السوق ومن ورائه يمشي العريس ويمر الوجيه على دكاكين النحاسين واحداً واحداً فيضع كل منهم شيئاً من النقود في السلة مع الأماني الطيبة بالتوفيق والبركة وهكذا يحصل العريس في العادة على نصف تكاليف الزواج او اكثر ولم يكن ذلك مصدر حرج للعريس او الوجيه او اصحاب الدكاكين فهو عرف وتقليد سار على الجميع
ويعد باحثون في التراث سوق الصفافير أحد أغرب وأجمل أسواق بغداد وأكثرها أناقة حيث كان زائر السوق يشعر بعبق الماضي الجميل بكل زواياه
وتحكي ضربات المطارق الحديدية (الدگات) على النحاس أو مادة (الصفر) كما تسمى بالعامية قصة من القصص المشوقة في الزمن الجميل
أيام زمان كان من متطلبات العرس أن يذهب أهل العريس الى سوق الصفافير للتزوّد بالمواد التي يحتاجها بيت الزوجية وهي في الغالب تكون (الطشت والابريق والمشربة واللگن) اضافة الى ادوات الطبخ
وكان البغداديون يحرصون على ارتياد سوق الصفافير ويعدون زيارته واجبا فما من بيت يخلو من أواني النحاس
الجلبة التي كانت تحدثها مناقشات السياح وهم يتحاورون مع أصحاب المحلات على السعر النهائي باتت مفقودة اليوم باستثناء أصوات قليلة ناجمة عن مطارق الحدادين الذين أصبحوا نادرين الآن
التكلم بصوت عال كان سمة السوق لأن كثرة الزبائن وأصوات الطرق على النحاس كانت تمنعك من السماع
السوق اليوم تفتقد هذا الأمر وكأنها أصيبت بالخرس بعد أن هجرها السياح الذين ترتبط عودتهم للعراق وبالتالي الى السوق بتحسن الوضع الأمني
بعد أن كانت السوق معلماً تراثياً وسياحياً باتت اليوم وكأنها مصابة بالشلل إذ هجرها شيوخ المهنة وخبراؤها وتحول معظم المحلات لورش تصليح الأواني والمقتنيات النحاسية كما انخفض الإنتاج لقلة الطلب عليه واجتاحت السوق المقتنيات المستوردة الأرخص سعراً
ويتفاخر الصفارون بسوقهم الذي يرونه أهم أسواق بغداد ولا مثيل له في مختلف أنحاء العالم ويؤكد عدد منهم أن المهنة لم تسلم من الغش فغياب الرقابة في هذه الظروف أدى الى تراجع جودة النحاس المستعمل وكذلك يُسجل عدم إتقان العمل من قبل بعض الحرفيين بعدما كان عملهم مشهوراً بالفن والذوق الرفيع
وسوق الصفافير هو عبارة عن مجموعة من الأزقة الضيقة الواقعة في منطقة الميدان وهذه المنطقة بحد ذاتها منطقة تراثية ولقد وضعت دائرة التراث العراقية يدها على كل منشآتها البنائية تنفيذاً لقانون وضعته الحكومة يقضي باعتبار أي بناء مضى عليه أكثر من مائة عام أثراً تراثياً لا يجوز التصرف به ويجب المحافظة على نكهته القديمة ولهذا فقد وضعت دائرة التراث يدها على مناطق مهمة في بغداد في مقدمتها منطقة الميدان التي تقع فيها سوق الصفافير وسوق الورَّاقين التي تسمى بشارع المتنبي
وإذا كانت الأسواق الأخرى تشهد في كل فترة ظهور باعة جدد لا تحتاج منهم إلى كثير من الدقة والصبر والذوق فإن من مميزات سوق الصفافير وجود الحرفيين الذين ورثوا المهنة أباً عن جد وتوارثوا أيضاً البراعة في الطرق على النحاس والقدرة على الخيال والابتكار
فهاتان يدان ترتجفان وهما تطرقان على النحاس تجدان متعة كبيرة في هذه العملية التي قد تبدو شاقة للآخرين لكن هذا الشيخ الطاعن في السن لن يتخلى عنها لأنها تأخذه من متاعب الحياة لمتعة العمل والإبداع فقد أبدعت يدا هذا الرجل الآلاف من الأعمال النحاسية التي انتشرت في أغلب البيوت البغدادية وحملها السواح إلى بلدانهم كأثمن شيء يحصلون عليه من زيارتهم لبغداد لايمتلك هذا المكان سجلاً للزيارات والاحداث التي تحفظ له تاريخه من النسيان ولكنه يمتلك ذاكرة قوية تؤهله لسرد الوقائع بالدقة والتفصيل كما لو أنها مدونة في كتاب مفتوح
إن التقدم التكنولوجي أحدث انقلاباً خطيراً أثر تأثيراً مباشراً على صناعة الدلال واستطاع أن يغزو بلدان الجزيرة والخليج العربي وبذلك خسرت السوق أكبر مستورد لبضاعتها من هذه الاقطار التي كانت تتزود منها سنوياً بالآلاف
فقد قام الصناعيون في كوريا واليابان باقتناء نماذج للدلال العراقية (البغدادية) واستعانوا بالحاسوب لسرقة أسرار صناعتها الدقيقة ثم اعتمدوا على المكائن وراحوا يضخوا دلالهم بكميات كبيرة واسعار متدنية نسبياً (لأنها لا تصنّع باليد) والمصنوعة من مادة (الستينلس ستيل) والتي لا تتأكسد مثل النحاس وغزوا الأسواق المهمة التي كانت تتعامل مع الدلة البغدادية المعروفة فالذي كان يبيع (150) دلة في الشهر لايباع الآن أقل من هذا العدد خلال سنة بطولها
العاملون في النحاس يمثلون عالماً مغلقاً على نفسه يتوارث الأبناء فيه حرفة أبائهم جيلاً بعد جيل إلا أن الحرفة التي لم تعد تغني عن جوع ولاتسد مصروف البيت دعت الى أن يدير الأبناء وجوههم عن النجاس مفضلين عليه أعمال التجارة بتحف النحاس الفنية أو أي عمل آخر
ولم يقف هذا الأنقلاب المأساوي في حياة السوق عند هذا الحد بل تعداه الى ماهو أخطر فالمعروف أن ليس كل صفار فناناً بالضرورة فالفنانون المبدعون في هذا الميدان هم قلة قليلة وقد هالهم أمر السوق بعد أن عجزت عن تلبية مطاليبهم الحياتية البسيطة فهجروا المهنة كارهين أو بلغ العمر ببعضهم مبلغاً لايعينه على الطرق وهكذا خسر المكان أو كاد أثمن ثروة فيه وهي المهارة الفنية
ثم تعدت مأساة الأنقلاب كل حد معقول حتى وصلت الى اسلوب البيع والشراء
لابأس .. لازال الأمل معقوداً على من يعنيهم الأمر هنا نترك الحديث للسوق كي تعبر عن نفسها :
تقول السوق : كنا نعتقد إن الجهات الآثارية والسياحية التي يخصها الأمر اكثر من غيرها ستحرك ساكناً وتدرس الحالة وتتصرف وتجد حلولاً مناسبة وتحافظ في الأقل .. اذا لم تستطع فعل شيء على البقية الباقية من فناني الحرفة وأسطواتها كأن تفتتح لهم معهداً أو مدرسة أو مشغلاً ينقلون فيه خبرتهم وفنهم للآخرين مخافة إنقراض الحرفة الى الأبد إلا أنها لم تفعل شيئاً وظلت تراقب بصمت المحايد ذلك الغزو الذي غزا أرباب الحرفة في عقر دارهم
فهل ستعيد السوق تأريخها وتراثها وأساتذة الصنعة
الأمر متروك للزمن
تحياتي