بسم الله الرحمن الرحيم
من وحي الهجرة النبوية
لماذا كانت الهجرة النبوية؟
إن شميم نسائم الهجرة النبوية يأتي في كل عام ليبعث في القلوب والمشاعر الأشجان ويجدد العزائم على تبني قيم التوحيد والتشبث بالعقيدة والاستعلاء الحضاري على الجاهلية، ويسلط الأضواء على المناهج التي صنعت الوحدة وأرست الأمن والسلام، وأثمرت العدل، وأنتجت ثقافة الشورى والحوار والفتوح والانفتاح على العالم، مع الاعتزاز بالهوية والانقياد للنظام والقانون المتولد من توجيهات وتعاليم الكتاب والسنة، وأبدعت قواعد الإعداد والنباهة والحذر التي سقتها من روافد معاني التضحية والفداء والعطاء المبني على قيم الإيثار والأخوة وآفاق قوله ? " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " ( البخاري )
فكم ليوم الهجرة من الحقوق في أعناق أبناء الأمة الأنقياء المخلصين، حين يأتي ليجدد النداء ذاته الذي كان يعتلج في صدر النبي ? وصدور أصحابه ? عندما أخرجوا من ديارهم بعد أن سيموا أصناف الظلم والصلف والعنف والمصادرة بغير حق حتى اضظروا إلى ركوب مخاطر الهجرة مجبرين وضمائرهم تخاطب البشرية وتهمس في نواديها لماذا لا تحبون الناصحين؟ فهل جاء المهاجرون بغير ما تحتاجه البشرية من الأمن والعدل والعتق وحفظ كرامة الإنسان وإنصاف المرأة ورحمة الأسرى ونصرة المظلوم والتعايش السلمي والدعوة إلى المودة والسمو على الأهواء والشهوات والتعالي على النعرات والعصبيات ورفض العبودية والعنصرية والحزبية والإقليمة والعمل المتواصل على نشر المساواة والتعارف على هدي قوله ? " أحب النّاس إلى الله تعالى أنفعهم للناس " ( المعجم الكبير).
فهاهو يوم الهجرة ينادي في الأجيال التائهة والخزائن الخاوية والبلاد المقطعة الأوصال والساسة الذين تاه الكثير منهم في مواخير التقليد والتبعية، ودهاليز الوهم ومسالك السراب، والعلماء الذين امتهن كثير منهم المداهنة والتزييف والنفعية، والتجار الذين زين غالبيتهم وسائل الاحتكار والربا والجشع وغيب المسؤولية، والجند الذين امتلأت صدور عامتهم من هيبة الأشرار والغزاة والمحتلين، وكثير من الإداريين الذين لا يرون إلا أنفسهم ومصالحهم فيبيحون لها ما يحرمونه على إخوانهم، ينادي في كل هؤلاء وغيرهم إليّ إليّ فعلى معالم خطوات أبنائي وعدلهم وتضحياتهم بنيتم مجدكم ووحدتم صفكم ورفعتم راياتكم في العالمين، فعندي الهدى والغنى والعز والعدل والسلام، فكم من طريق سلكتم؟ وكم من باب طرقتم فهل وجدتم مبتغاكم؟ إنكم لا تجدون ذلك إلا في العودة إلى الطريق التي أصلحت أولكم وأزالت وهنكم وهزمت عدوكم وأرست أمنكم، تلك الطريق التي رسخت معالمها على أعمدة ودعامات الجسور الموصلة ما بين غار حراء إلى غار ثور ومابين أحد وقباء إلى الروضة والمصلى والبقيع، تلك الجسور التي أشادتها قيم الصبر والصفح والحلم والعلم والعطاء والتسامي الذي بناه المؤمنون بصبرهم على لهيب كِبر الجاهلية وظلم قيمها وجمر عدوانيتها، فهل تساءلتم لماذا كانت الهجرة؟ وماذا أثمرت؟ إن كل من يذكر الهجرة لا بد أن يرى بعين قلبه وضميره الحال التي كان عليها العرب من الفرقة والتناحر والوأد والضعف والجهل والتبعية، وما كانت عليه البشرية من التظالم والتطاحن، وما يحكم العالم آنذاك من قوانين تمتلأ صفحاتها بالجور والابتزاز وتشريع العدوان والعبودية، وكيف حول المهاجرون ذلك إلى معاني الطمأنينة والمساواة والحرية في ثقافتهم التي نشروها في العالمين
ولعل المتابع المنصف لسيَر المهاجرين ونبيل مقاصدهم وسمو عقيدتهم وعالمية دعوتهم يصيبه الذهول لما لحق بهم من ظلم وحيف وعدوان أجبرهم على ترك أوطانهم وممتلكاتهم وأهليهم، دون أي وجه حق يتذرع به أعداؤهم سوى أنهم أناس يتطهرون تلبسوا بمكارم الأخلاق ودعوا إلى الأخوة الإنسانية وبناء الثقافة العالمية وتضميد جراح البشرية على قواعد العدل والرحمة المبنية على مقاصد قوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء:107) فيبقى المتابع حائراً يبحث عن الإجابة لسؤال يطرح نفسه كل ما هبت رياح الهجرة التي تحمل في نسائمها معاني وقيم الصبر والحلم والعفو والرحمة لتثير في أذهان عقلاء البشرية السؤال ذاته لماذا هُجّر المسلمون من ديارهم؟ ولماذا لازال هذا الحكم الظالم يُلهب بسياط جوره قلوب المخلصين لأمتهم الذين يتشبثون بقيم المهاجرين وثوابتهم لكي لا تميل بأمتهم سفينة الجاهلية والتبعية من جديد؟
إن يوم الهجرة يشهد لسيد المهاجرين ? وأصحابه الأكرمين أنهم هم الذين صنعوا ثقافة الصفح والمسامحة وحب السلام ليس تجاه عامة الناس فقط، وإنما تجاه من مارس الظلم والقتل والحرمان والبهتان والعنف والتطرف والاستباحة ضدهم، وهذه ثوابت حضارية تأكدت معانيها في مواقف رسول الله ? وخلفائه الراشدين، ثم استمرت تضئ صفحات الحضارة العربية الإسلامية على مرّ العصور يرتفع منسوبها أحياناً إلى حد التنافس والمسابقة على تدوين أكبر وأوسع معانيها؛ وأحياناً ينخفض ذلك تحت وطأة آثار خارجية أو أفعال عدوانية غالباً ما تغلق أبواب التصالح والتسامح والحوار؛ حتى يضطر ورثة المهاجرين إلى الدفاع عن أنفسهم وأمتهم وأوطانهم وعقيدتهم، فيصنع المغرضون من ذلك أو من بعض المواقف الدخيلة على الثقافة الإسلامية، مادة للتشهير بأخلاق المسلمين عامة، ويعملون على تضليل الناس عن ثقافة كظم الغيظ والإحسان ومعاني قوله تعالى: ? وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ? (آل عمران: من الآية134) وقوله ?: ?ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ? (فصلت:من الآية34) وأمثال ذلك مما لا يوجد في ثقافة أمة أخرى غير أمة المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
إنّ ذكرى الهجرة تؤكد للعالم أجمع أن أبناءها هم صناع الأمن والاستقرار ودعاة العدل والسلام في العالم وأن ثقافتهم الأصيلة دائماً في موقع القدوة لكل موقف إنساني نبيل ذلك أنها بنيت على قواعد ومقاصد قوله تعالى: ? وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ? (الأنبياء:107) التي أثمرت أمّة الصحابة الذين قال الله تعالى فيهم: ?كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ? (آل عمران: من الآية110) تلك الأمة الرائدة التي كانت تعمل بهدي قوله تعالى: ?قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ? (الجاثـية: من الآية 14) هذه المعاني التي بلورت قواعد أساسية وثوابت أخلاقية في الحضارة العربية الإسلامية، تجلّت فيها القيم الإنسانية على أوسع نطاق حتى قال قائل الغرب: " ما عرف ا لتاريخ فاتحاً أرحم من العرب " فكان النبي ? وأصحابه الكرام يعفون عن المشركين وعن أهل الكتاب وعن المنافقين عفواً عملياً تطبيقياً، ويصبرون على أذاهم عملاً بقوله تعالى: ? وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ? (آل عمران:186) وقوله ?: ? فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ? (البقرة:109) فكان النبي ? يتأول في العفو بما أمر الله به ويصبر على ألوان الأذى والفتنة التي صبّت عليه ? وعلى أصحابه ? ألم يقتلوا سمية وياسر ويخنقوا عمار ألم يصهروا بلالا ويحرقوا خباب حتى أطفأ ودك ظهره الجمر الملتهب؟! فماذا أوحت قيم الهجرة لأبنائها حين تمكنوا من المجرمين ألم يقال لهم: أذهبوا فأنتم الطلقاء الأحرار؟َ! فأين هذا من الحضارة المعاصرة التي تسمي مثل هؤلاء مجرمي حرب فتهين أكابرهم وتجتث أصاغرهم؟ فشتان بين حضارة تستقي قيمها من الرحمة والعدل والسماحة والطهر وبين حضارة تسوقها الأهواء والجشع والرجس على هواجس المصالح ووسائل المكر والخداع
لقد كانت الهجرة فيصلاً بين أخلاقيات القوة التي يقول قائدها حين تمكنه من القصاص وأقدامه لاتزال تشخب دماً من عدوان المتجبرين يوم رحلة الطائف يقول: " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده " (مسلم) وفي موقفه ? يوم كسرت رباعيته وشج وجهه ? وهو يمسح الدم عن وجهه في أُحد حين قيل له لو دعوت عليهم، فقال: " إني لم أُبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة" (مسلم) وقوله ?: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" ( البخاري ) ليتأكد في ذلك أن القواعد التي نبيت عليها حضارة الهجرة النبوية هي المؤهلة لقيادة البشرية في عصر ثمل فيه الكثير من قادة العالم بجبروت السلطة والأسلحة المدمرة التي لا تفرق بين البشر والحجر حتى قال قائلهم من لم يكن معنا فهو ضدنا أي ضد النووي واليورانيوم المنضب والمخصب وغير ذلك من الثمار المرة لحضارة لا زالت تتفنن وتتنافس قياداتها وأخلاقياتها على صناعة أقسى وأعتى وأسوء ما يخطر على قلب بشر من وسائل الخراب والدمار والقتل، كل ذلك ليتبين للإنسانية الوجلة والحائرة في هذا العصر لماذا كانت الهجرة وليتأكد للجميع أن ذكرى الهجرة النبوية تدعو إلى سلوك منهجية رجال ذلك اليوم الذي أعز الله به العرب وأكرم الإنسانية، فيا ويح من لا يقف إجلالاً في يوم الهجرة للمهاجرين والأنصار الذين وهبوا الحضارة أسمى القيم الإنسانية وأنبل القواعد الحضارية.
أخي الكريم أبرز السنة :بارك الله فيك وفي كاتب هذا المقال العالم الذي نتوق شوقاً إلى معرفته فهو يقدم- بالدليل العقلي والنقلي والقص التاريخي والتتبع العميق لمسيرة الإسلام والمسلمين - يقدم الرد الشافي على من يسم ديننا بالإرهاب فهل هناك دليل أصدق من هذه الأدلة التي ارتأى كاتبها أن يأخذها من وحي الهجرة النبوية وقصة المهاجرين - لتكون رداً على أعداء الدين ؟
حقاً لقد صدق الكاتب حين قال : إن يوم الهجرة يشهد لسيد المهاجرين ? وأصحابه الأكرمين أنهم هم الذين صنعوا ثقافة الصفح والمسامحة وحب السلام ليس تجاه عامة الناس فقط، وإنما تجاه من مارس الظلم والقتل والحرمان والبهتان والعنف والتطرف والاستباحة ضدهم .
وبالتالي من واجبنا أن نحمل هذه الحجج ونجابه بها العالم بأسره .. هذا العالم الذي لايزال معظمه يغفو - جاهلاً أو عامداً - على زعم " إرهابية " المسلم .
إنّ ذكرى الهجرة تؤكد للعالم أجمع أن أبناءها هم صناع الأمن والاستقرار ودعاة العدل والسلام في العالم وأن ثقافتهم الأصيلة دائماً في موقع القدوة لكل موقف إنساني نبيل ذلك أنها بنيت على قواعد ومقاصد قوله تعالى: ? وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
إخواني
إريد منكم أن تقوموا معي بحملة للتعريف بذلك العالم الجليل والله إنه لحق علينا أن نعرف به وإذا لم نقم نحن بالتعريف به فمن سيقوم ووالله إنه لأحق واجبنا نحوه