السلام عليكم ورحمة الله
تزامناً مع انتفاضة الشعب التونسي ضد الطغيان والدور الذي لعبه الشاب محمد البوعزيزي في اشعال فتيلها حدث استشهاد آخر في العراق
لم تتم الكتابة عنه إلا كصدى لبيان عسكري أصدرته قوات الاحتلال الأمريكية عن جندي عراقي قتل (جنديين أمريكيين وأصاب آخر عندما فتح النار على جنود أمريكيين يقومون بتدريب قوات امن عراقية في معسكر الغزلاني في جنوب مدينة الموصل الساعة الثامنة والنصف صباح السبت 16 كانون الثاني)
فمن هو الجندي العراقي؟ ولماذا لم تذكر القوات الأمريكية (الشريكة) في العراق بعض التفاصيل عنه؟
وماذا عن تغطية صحافة (العراق الجديد) وتحليلات مثقفيه؟
نحن نفهم تماما موقف قوات الاحتلال الأمريكية في عدم ذكر اسم وتفاصيل حياة من يهاجمها ويستهدفها
إنها تخشى أن يؤدي ذكر اسم الشخص وعمره وتفاصيل حياته العائلية وشهاداته المدرسية وهواياته (وهو بالضبط ما تفعله مع جنودها الذين تصفهم بأنهم شهداء الديمقراطية ومساعدة الشعوب على التحرر والأكثر من ذلك الإشادة بوطنيتهم وولائهم لأمريكا) إلى تقديم ابن البلد المحتل (الإرهابي) كانسان لا يقل في درجة إنسانيته عنهم كما انه ليس شخصا مجهول الهوية قد يرمز إليه برقم أو صفة مقيتة مما يسهل نسيانه وقتله أو تحميله كل جريمة وتهمة على وجه الأرض
إنها تخاف أيضا أن يكون الجندي أو المقاوم قدوة يثير مخيلة الشباب ومرجعية بالمبادئ والمواقف الأخلاقية والروح الوطنية لبقية الجنود المنخرطين في صفوف الجيش الصامتين على الرغم من غضبهم واشمئزازهم مما يجري حولهم من انتهاكات وجرائم وفساد ومحاصصات طائفية وعرقية فضلا عن التعامل الاستعلائي المهين معهم نتيجة النظرة العنصرية لجيش الاحتلال المجبر رغما عنه على تدريب أبناء البلد الذي يريد أن يبقى سيدا عليه (مع منحه بعض الصلاحيات الشكلية كواجهة إعلامية) والذي يخشى حتى تدريبه بالسلاح الحي مخافة أن يفتح الجندي ناره عليهم كما فعل مروان نظير عبد العزيز الجبوري في مدينة الموصل
ماذا عن صحافة ومثقفي (العراق الجديد) الذي تباهى احدهم بوصفه قائلا: (لا اجعل نفسي إلا في صف العراق الحّر الجديد فهذا ما ناضلت من أجله دهراً)
لماذا لم يكتب احدهم (خاصة أبناء الحزب الذي طالما نادى بمحاربة الاستعمار وتحرير الشعوب) عن الجندي مروان الذي فتح نار بندقيته على محتل بلاده وهو يعلم علم اليقين بأنه في تلك اللحظة التي سيطلق فيها النار سيتلقى رصاص العدو في صدره مضحيا بحياته من اجل قيمه ومبادئه في وقت لم يعد يطيق فيه صبرا على الظلم كما فعل الشاب التونسي الباحث عن بصيص العدالة في جسده المحترق غضبا رافضا أن يكون شاهدا أخرس على جرائم أنطقت حتى بعض جنود الاحتلال فباتوا يسطرون نادمين تفاصيل مخيفة عما اقترفته أياديهم بحق أبناء الشعب العراقي
كيف يسكت كاتب ومثقف (العراق الحّر الجديد) مكتفيا بتوقيع نداءات باتت متوفرة على الانترنت بالأطنان وإذا ما كتب سطر قلمه زورا ليصف الوضع الثقافي تحت الاحتلال بأنه حيث (تلون الأفق بقوس قزح ثقافي لا أبهر منه ولا أبهى)
إنهم في موقفهم ضد مقاومة الاحتلال يتذرعون بان المقاومة (إرهابا) وان المقاومة تستهدف المدنيين (أليست هذه نسخة عن اسطوانة إدارة الاحتلال المشروخة)
ولنقل أن عقولهم تقبل على الضد من كل الدلائل والوثائق إن المقاومة وليست قوات الاحتلال هي التي قتلت آلاف المواطنين العراقيين الأبرياء وان آلاف جنود الاحتلال الذين نقلوا إلى بلادهم في توابيت خشبية إما أسطورة أو أنهم ماتوا نتيجة قراءتهم قصائد ومقالات مثقفي وصحافيي (العراق الحر) ولنقل أن مئات الآلاف من جنود الاحتلال المصابين بالجروح الدائمة والعطب العقلي والنفسي إنما أصابهم ذلك نتيجة قراءتهم ذات القصائد والمقالات مرة ثانية
ولكن ماذا عن الجنود: إبراهيم كريم القرة غولي ومحمد الجحيشي وسعد احمد جاسم الجبوري ومحمد موفق النعيمي وسوران رحمن صالح ولي الذين وجهوا بنادقهم مباشرة على من يراه الشعب العراقي وشعوب العالم بل وحتى الأمم المتحدة عدوا وحشيا محتلا أفرز خلال فترة وجوده على أرضنا أبشع مظاهر العنف والاستباحة ضد كل القيم الإنسانية والقوانين الدولية؟
ماذا عن الشباب المقاتل الذي يستهدف قوات ومرتزقة أكبر قوة عسكرية في العالم والمسئولة عن مقتل أكثر من مليون عراقي؟
ماذا عن تدريبهم منذ ثماني سنوات فرقا عسكرية خاصة مهمتها الأولى والأخيرة حماية مصالح المستعمر؟
ماذا عن مروان نظير عبد العزيز الجبوري؟ وهو الذي استهدف بالتحديد جنود العدو مدركا بل متيقنا انه إنما سيدفع حياته ثمنا لذلك؟
صورة الشهيد بالملابس العسكرية
وفي ظل التعتيم الإعلامي لأجهزة الاحتلال على الحدث البطولي تم تجميع بعض المعلومات عن الجندي الشهيد لكي تبقى ذكراه حية في الأذهان وليكون كما بقية نساء ورجال المقاومة جذوة تمد بديمومة اشتعالها روح مقاومة الغزاة والظلم
في روايته لكيفية استشهاد ابنه أوضح المقدّم المتقاعد نظير عبد العزيز الجبوري
(إن مروان من مواليد الموصل عام 1982 وكان قد تزوّج قبل ستة أشهر من استشهاده وقد التحق بالجيش الحكومي في منطقة سنجار وفي مطلع العام الجاري دخل مع وحدته معسكر الغزلاني جنوب الموصل لأغراض التدريب وفي صباح يوم السبت الماضي أقدم هو وزميل له على تنفيذ عملية بطولية فريدة بإطلاقهما النار على مجموعة من جنود الاحتلال الأمريكي أثناء تفقدهم التدريب وتمكنا من قتل اثنين منها بينهما ضابط كبير وإصابة ثلاثة جنود آخرين بجروح بليغة قبل أن يستشهد مروان نتيجة إطلاق النار عليه من قبل جنود الاحتلال الغاشم .. مشيرا إلى انه تم استلام جثة نجله الشهيد من دائرة الطب العدلي في مدينة الموصل)
وكما كانت النساء الجزائريات اللواتي سقين بدمائهن أرض الوطن وضمدن جراح رفاق الدرب يزغردن للمجاهدين الأبطال وللشهداء الأبرار وكما تستقبل الأمهات الفلسطينيات على مداخل المخيمات جثامين أبنائهن المناضلين ضد الاحتلال الصهيوني استقبلت عائلة الشهيد جثمان ابنها العراقي البار الرافض للظلم والاحتلال بالزغاريد وإطلاق العيارات النارية
فما هي حجة مثقفي وصحافيي (العراق الجديد) هذه المرة إزاء فعل بطولي لا يمكن التشكيك به مهما كانت سلاسة القلم وطراوة اللسان ؟
أليس صمتهم دليل خوف من أن تكون الكتابة كما هو مفترض سلاحا يفضح عجزهم وخنوعهم وان مقاومة المحتل فعل قابل للتحقيق؟
رحم الله الشهيد مروان وأسكنه فسيح جناته