السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هل تودون برحلة على ضفاف دجلة الخالد
مع ذكريات شارع أبي نؤاس
ووجبة من السمك المسگوف
تعالوا معي
مع كل ماقيل ويمكن أن يقال عن مدينة شهريار ولياليه الملاح وسكوت شهرزاد عن الكلام المباح فالأمر اليقين الذي لايقال فيه قولان هو أن أي سائح زار العراق وأمضى سهرة أو بضع سهرات بين معالم وطقوس هذا (الشارع) لابد لذهنه أن يستدعي في الحال تلك الحكايا الشهرزادية المفعمة بالترف والأنس ولابد أن ينتابه إحساس أكيد بأن هذا المكان العطر برائحة الماء ودجلة والأضواء والسمك المسگوف هو المسرح الخصب الذي إستوحى منه المؤلف المجهول حكاياته الموسومة بألف ليلة وليلة والتي باتت الصورة الحلمية العذبة لبغداد على مر العصور
أول ما يلفت النظر في الشارع هو إسمه الغريب في عاصمة تعنى كثيراً بالمسميات الأعتبارية لشوارعها تاريخاً واحداثاً وشخصيات كشارع النضال أو الامام موسى الكاظم أو الخلفاء أو 14 تموز أو المتنبي أو السعدون
في حين يقف هذا الشارع بينها إستثناء لأنه يحمل إسم الشاعر العباسي الحسن بن هانئ نديم هارون الرشيد وصاحب الباع الطويل كما يقول مؤرخو الأدب في إنجاب قصائد الغزل
إبن هانئ إذن وكنيته أبو نواس وبكل مايروي الرواة عن حياته كان محظوظاً للغاية لأن كنيته أطلقت على واحد من اعرق شوارع بغداد منذ عقود بعيدة ولم تتعرض الى التغيير أو التبديل باسم شخصية وطنية أو سياسية أو تراثية وكأن الحفاظ عليها هو من باب الحفاظ على الجو الذهني والمتعة النفسية التي تضفيها تسمية أبي نواس على المكان.
تحدد جغرافية الشارع بالمنطقة الواقعة عند الجانب الشرقي من ضفة دجلة والممتدة من جسر الجمهورية مع مسار الماء جنوباً إلى الجادرية وتبلغ المسافة الطويلة للمنطقة أو الشارع بحدود خمسة كيلومترات
ومع أن الشارع يمر عبر جانبين أحدهما يقع على النهر مباشرة والثاني في الجهة البعيدة نسبياً عن دجلة إلا أن الناس إصطلحت على حصر التسمية بالجهة القائمة على النهر فقط
الموقع على دجلة بحد ذاته هو أهم ميزات المكان ومع ذلك يمكن أن نتلمس طقساً اخر فأبو نواس الأصلي في عرف الناس أي الواقع فوق النهر مباشرة والذي يغفو الآن تحت غابة من الاشجار تفتقد إليها الجهة البعيدة عن دجلة كان لايستقبل رواده إلا ليلاً وهذه خاصية ينفرد بها فالاطعمة والمشروبات وحركة الحياة لاتبدأ إلا قبيل غروب الشمس فيما يتواصل السهر إلى الساعة الواحدة أو الثانية بعد منتصف الليل ولذلك إرتبط أبو نواس بالليل أما في أوقات النهار الأخرى فأنه مهجور تماماً إلا من بضعة عمال مشغولين بتنظيفه وترتيب مقاعده استعداداً لمساء جديد
حتى أوائل السبعينيات ولعقود خلت قبلها كان أبو نواس هو المنتجع الليلي الوحيد تقريباً على ضفة دجلة قبل أن تنهض أماكن أخرى في منطقة المسبح أو الأعظمية والفحامة وإن لم تستطع أن تسرق أفضلية هذا الشارع
يفرش أبو نواس مقاعده وموائده على الماء بصورة مباشرة حتى أن بعض الرواد كان يحلو لهم وضع كراسيهم وسط الماء ومعابثة الموج بأصابعهم ذلك لأن ضفة دجلة عالية جداً والمقصود بالضفة هنا رصيف الشارع وهو الأمر الذي جعل أصحاب المطاعم والكازينوهات يبنون سلالم حجرية يتم استخدامها للنزول من الضفة العالية الى ساحل دجلة حيث المناضد والكراسي وأماكن الجلوس
لقد أدى هذا الطراز الى خلق مشهد آخر فثمة متعة يحظى بها أولئك الذين يتخطون عند رصيف الشارع لأنهم في وضع يساعدهم على مراقبة تلك الحشود البشرية عند الماء والتفرج عليها
خاصية المكان تحتل المرتبة الأولى حيث النهر والأمواج والزوارق والأضواء السابحة في دجلة لتحيلها إلى بحيرة من الأنوار الوهاجة هذا غير الأجواء والفضاءات المفتوحة حيث لا أبنية ولا قاعات ولااسمنت مسلح ولا أجهزة تبريد بل جلسات على الهواء الطري الطلق تحت قبة السماء وصمت القمر وارتعاشة النجوم
هذا الشارع يستمد جماليته من أمرين أولهما بساطته وإبتعاده عن التكلف والبهارج الحضارية في طريقة الجلوس والتحاور وتناول الطعام وثانيهما شموليته فهو جاهز لتلبية كل الأذواق سواء تعلق ذلك بالألعاب البريئة التي يود الرواد ممارستها كالنرد والدومينو والشطرنج أم بأنواع المشويات من الاطعمة والمشروبات والشاي والحامض
السمة اللصيقة بالشارع هي السمك المسكوف على كثرة اللحوم المشوية التي تقدمها المطاعم وعندما يذكر أبا نواس يستذكر السمك المسكوف ومن يذكر السمك المسكوف يستذكر أبا نواس
إن للسمك في هذا المكان طعماً خاصاً لعدة أسباب منها إن الباعة كانوا يحتفظون بأسماكهم "حية" في أحواض كبيرة أو في النهر مباشرة بعد ربطها بخيوط معدة لهذا الغرض والزبون يختار سمكته المفضلة وهي تتحرك أمام عينيه
وبالطبع فالسمك الحي الذي يهيأ في الحال هو غير الذي فقد الحياة منذ يومين أو ثلاثة وتمت تغطيته بالثلج
ثم تأتي العملية المهمة وهي طريقة الشواء حيث توقد النار وتنصب حولها بصورة نصف دائرة أعمدة رفيعة يعلق أو يغرز السمك فيها ويظل المسؤول عن الشواء يقلب الجمر ويوجه ألسنة النيران مراقباً عمله بدقة وخبرة حتى تنضج الأسماك على نار هادئة وتقدم للزبائن على مائدة عامرة بالمخللات والطماطم والنارنج والبصل والخبز الحار
كان أبو نواس يستقبل أعداداً كبيرة من الشخصيات والوفود الرسمية التي تزور البلد
شارع الثقافة
لا أحد من أدباء المرحلة الستينية إلا وعاش إزدهار الحركة الادبية وعنفوانها وصراعها وتجديدها وتمردها في العراق
ولا أحد يمكن أن ينسى أبداً أن الحوارات الفكرية والثقافية في هذه المرحلة كان لها مكانان الأول منطقة الحيدرخانة حيث كانت مقاهيها تصدر الثقافة العراقية نهاراً والثاني مقاهي أبي نواس لمواصلة الحوار وتصدير الثقافة ليلاً
ابو نؤاس في الستينيات
وكما كانت المقاهي النهارية في الحيدرخانة وبضع مناطق أخرى من بغداد موزعة الى تكتلات أو تجمعات على وفق إتجاهاتها الثقافية والفكرية أو إنتماءاتها السياسية كان أبو نواس يشهد مثل هذا التوزيع
ليل ابو نؤاس
وكما كان العديد من الادباء يتنقلون نهاراً من مقهى الى آخر لتبادل الرأي وإغناء الحوار كان الليل يشهد الشيء نفسه على الأرض النواسية
إن أبا نواس كان أغزر وأخصب بقعة للثقافة العراقية في مرحلة الستينات لأن ليله الجميل كان يحرر المثقفين الموظفين من قيود الوظيفة التي قد تحرم اعداداً كبيرة منهم من فرصة اللقاء وكنت ترى في تلك الليالي القاص والروائي والشاعر والمسرحي على شتى أساليبهم الكتابية مثلما نرى الصحفي والفنان والناقد والمهتم بالشأن الثقافي وهم على الدوام في حلقات نقاشية ساخنة لاتعرف الهدوء
ثوب جديد مهتريء
المعالم الرئيسة لأبي نواس إختفت بالكامل تقريباً حيث تم طمر المنخفض والارتفاع به الى مستوى شارع المركبات وبذلك إنتهت تلك العلاقة القريبة والوطيدة بين الرواد وبين الماء
ولكن بالمقابل تم إنشاء عشرات المباني الحديثة من مطاعم وكازينوهات وتركت العديد من الفسح الخضر للعب لأطفال أو تنزه العوائل وإستقبل الشارع تمثالاً كبيراً للشاعر أبي نواس مثلما إستقبل تمثالاً جميلاً وفخماً يظهر فيه شهريار مصغياً لنعومة الحكايا التي ترويها شهرزاد والسمك المسگوف الوحيد الذي حافظ على هيبته
من الناحية المعمارية والجمالية قد كسب الكثير لكنه من الناحية التراثية والنفسية خسر طبيعته الأصلية المتمثلة قبل أي شيء آخر ببساطته وإنفتاحه على الفضاء وعلاقته الحميمة بالنهر .. أبو نواس بات كياناً جميلاً من غير روح
ترتبت أمور كثيرة على ما آل اليه حال أبي نؤاس منها انصراف الرواد عنه وهناك أماكن نهرية أخرى إستطاعت أن تسحب البساط لصالحها ظهرت في العطيفية والكريعات ما كانت قادرة على المنافسة لو كان أبو نواس كما كان عليه في السابق متنفس البغداديين ومقصد السياح وملتقى المثقفين وملهم الشعراء
مأساة الشارع الحقيقية أنه يرقد في الجهة المقابلة للقصر الجمهوري ولذلك فأن نهايته أو موت الشارع الحقيقي كان على يد القصر الجمهوري حيث الاسلاك الشائكة والأعمدة الكونكريتية باتت السمة العامة للشارع أما المطاعم والكازينوهات القليلة التي بقيت تزاول عملها فأنها حالياً بالكاد تسد أجور العمال وإيجار المكان
ومع ذلك يبقى الأمل وطيداً بعودة الحياة الى أبي نواس وعودة ناسه واشجاره ومياهه العذبة
بقي أن نعرف أن هذا الشارع ليس عريق النشأة فعمره لايتعدى 71 سنة أي أنه من مواليد 1934 وقد تم شقه بعد شارع الرشيد بثمانية عشر عاماً وهو يمثل إمتداداً واحدا مع الرشيد
وعلى الرغم من أنه لاتوجد أية فاصلة بينهما ولكن الانتقال من الرشيد إلى أبي نواس واضح تماماً لأن الأول يطل على دجلة عبر متاجره ودوائره الرسمية ومبانيه التراثية بينما يطل الثاني على النهر عبر سلسلة متصلة من الكازينوهات والمطاعم والصفوف الطويلة من الأشجار المعمرة والمساحات الخضر
السمچ المسگوف
المسگوف
السمك المشوي على الطريقة العراقية
افضل أنواع السمك المعد للسگف هو السمك النهري (البني*القطان*الشبوط)
حيث تشق السمكة الطازجة المصطادة حديثا من جهة الظهر على طولها
وينظف داخلها بالماء
ثم تتبل بالملح والفلفل والبهارات وعصير الليمون ومعجون الطماطم وتترك لمدة نصف ساعة
ثم يسكب عليها الزيت ويترك لمدة نصف ساعة
ويشق في جلد السمكة فتحتان أو ثلاثة لمكان تعليق الأوتاد
طريقة الشوي
توقد نار ملتهبة من خشب الصفصاف وهو المفضل ويمكن استخدام اي نوع من الحطب حسب المتوفر
وتوضع أوتاد من الخشب الرفيع بارتفاع يعادل عرض السمكة على المحيط الخارجي للنار
أو توضع في شبكة خاصة كما في الصورة
تعلق السمكة على الأوتاد لتشوى على النار
ويستمر العامل بتقليب النار والتأكد من الإستواء
وبعد نضوج السمكة ترفع من الأوتاد
ويوضع ظهر السمكة على قليل من جمر الخشب لشي جلد السمكة الخارجي
يقدم السمك المشوي وهو ساخن
مع اطباق السلطات المختلفة والعنبة الهندية الحارة والطرشي (المخللات) والبصل الأخضر الطازج
والخبز العراقي
ويفضل خبز التنور
وأخيرا وبعد المسگوف لا تكتمل اللذة إلا مع الشاي أو الحامض
يعتبر السمك المسگوف طبقا شعبيا عراقيا قديما
ويعتبر وجبة كاملة وفاخرة وله شهرته الذائعة
أرجو أن تكون هذه المعلومات وافية للشارع والمسگوف
تقبلوا تحياتي